الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

في رحيل إدوار الخراط

ظل الراحل يكتب بوعي وحساسية مسلحة بثقافة وممارسة نقدية كانت توازي تجربته السردية وتتقاطع معها من حيث مضمونها ولغتها، دون أن تشكل إحدى التجربتين عبئا على الأخرى.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/12/02، العدد: 10115، ص(15)]

غيب الموت الأديب المصري إدوار الخراط بعد رحلة طويلة وغنية مع الكتابة السردية والنقد والترجمة، تاركا وراءه تجربة غنية، تميزت منذ بدايتها بحساسية جمالية ووعي فكري خاص، رسم من خلال ذلك خطا سرديا جديدا، عبر عن رؤية مختلفة تجاوز فيها ما كان سائدا في الكتابة السردية العربية.

إن أهمية تجربة الراحل لا تنبع من نزعة التجديد والخصوصية، التي جعلت منه كاتبا يغرد خارج سرب الواقعية الاجتماعية، التي كانت مهيمنة على الوعي السردي والكتابة الروائية في نهاية الخمسينات الماضية، كما تجلى ذلك في مجموعته القصصية الأولى حيطان عالية التي ظهرت في عام 1959، وكانت انعطافة مهمة في تاريخ التجربة الأدبية في مصر آنذاك، من خلال انشغالها بقضايا روحية ونفسية، وجاءت مجموعته الثانية ساعة الكبرياء لكي تعمق مسار هذه التجربة وتثري دلالاتها التي تعبر فيها عن قضايا الظلم والفساد في عالم لا يرحم.

لقد عززت هذه التجربة وأغنتها الأدوار التي لعبها الخراط في تاريخ نضال الحركة الوطنية في مصر إبان الاحتلال الإنكليزي، وفي الحياة الثقافية المصرية والعربية، إضافة إلى الوعي النقدي الذي ظل ينحاز إلى مفاهيم الحداثة وأطروحاتها في النقد، وهو ما ظهر واضحا في تجربته الروائية الهامة رامة والتنين التي اعتبرت إضافة مهمة في السرد الروائي العربي من خلال ما قدمه من إضافات ووعي جمالي أغنى التجربة الروائية العربية، وفتح أمامها أفقا آخر للكتابة السردية.

استكمل الكاتب الخط السردي الذي رسمه في رواية رامة والتنين في عملين آخرين له صدرا في مراحل مختلفة هما الزمن الأخير 1985 ورواية يقين العطش اللتين اختتم بهما ثلاثيته. في هذه الثلاثية بدا واضحا الرؤية الداخلية التي قدمها لعالم شخصياته الروائية، والتركيز على خفاياها الروحية ووعيها الذاتي، ومما عزز هذه الكتابة شاعرية اللغة الثرية التي تميزت بها روايته.

لقد ظل الراحل يكتب بوعي وحساسية مسلحة بثقافة وممارسة نقدية كانت توازي تجربته السردية وتتقاطع معها من حيث مضمونها ولغتها، دون أن تشكل إحدى التجربتين عبئا على الأخرى.

إن أهمية هذه التجربة قد تجاوزت منجزه الروائي والسردي إلى التجربة الروائية العربية من خلالها تأثيرها فيها، وتحفيزها أجيالا جديدة على التجريب والانفتاح على أشكال جديدة من الكتابة، تتفاعل مع المعطيات الجديدة للرواية الحديثة في العالم. وقد ساهمت ترجماته التي تجاوزت أربعة عشر كتابا في إغناء الثقافة العربية فكريا وجماليا.

لقد أعطى كل هذا إلى تجربة الراحل قيمتها الجمالية والفكرية والسردية الخاصة، التي جعلته يحتل مكانته في المشهد الروائي العربي عبر روح متوثبة وحية، آمنت بالحداثة التي تستوعب روح الحياة الجديدة وتعكس قيمها وحساسيتها، لغة وتكوينا ورؤية للحياة والذات الإنسانية، في جدل علاقتها مع الوجود والعالم.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر