الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

تونس: قصور التعاطي الإعلامي مع الإرهاب

آلة الخطاب الإعلامي للحدث الإرهابي تدور في ثنائيّات تناقضيّة على أساس الانتماءات السياسية والفكرية، ما يسقط غالبية التحاليل في مأزق الأدلجة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/12/03، العدد: 10116، ص(8)]

الحليف العضوي للتطرف هو الفكر الفقير العاجز عن الوصول إلى أعماق الظواهر والقضايا، كما أنّ الحليف الاستراتيجي للإرهاب كامن في رتابة إعلامية لتغطية “الحدث” الإرهابي وهي رتابة تبدأ من استنفار تعبوي دعائي، وينتهي عند “استرخاء” سياسي وإعلامي يفضي في المحصلة إلى تطبيع مع الإرهاب.

في دائرة مغلقة تدور التغطية الإعلامية التونسية، حيث يبدأ التناول من حيث انتهى الإرهاب عبر طرح سؤال “ماذا” هناك؟ قبل المرور إلى أسئلة من؟ متى؟ أين؟ كيف؟ ليسدل التطرق الإعلامي الستار من خلال طرح سؤالين عقيمين وهما “ماذا؟” و”ماهي الحلول؟”.

ولأنّ العقل الاتصالي المعرفي المحلي والمغاربي أيضا يقارب الإرهاب كحدث وليس كقضيّة، فإنّ التطرق يكون حينيّا وبرقيا بمستوى الحدث الساخن، والتغطية تكون متسرعة والتحاليل تكون مفصولة عن خارطة الفعل والجغرافيا الاستراتيجية، وعندها فقط يغيب التفسير المعمّق وتحضر تصفية الحسابات السياسية والمعارك الأيديولوجية.

بدراية أو عن غيرها، سقطت المنظومة الإعلامية لتغطية الحدث الإرهابي في ثنائيّة “التأثير والمؤثر” أو في ما يعرف بنظريّة كلب بافلوف، حيث أصبحت العملية الإرهابية “مؤثرا” لتغطية إعلامية رتيبة وسقيمة تبدأ من أسئلة كلاسيكية حول الحدث، وتنتهي عند تساؤلات ريبية حول حقيقة الواقع السياسي والأمني والاجتماعي والديني.

في كلّ حدث إرهابي يدفع المشاهد والمتابع بشكل عام فاتورة التخبط وعدم المهنية وانتحال الصفات الأمنية والسياسية لذات الكوكبة من المتكلمين في الشأن الإرهابي المحلي والإقليمي منذ سنوات الانتفاضة التونسية، ولئن كانت الوظائف الأساسية للإعلام متمثلة في الإخبار والتثقيف والترفيه، فإنّ القنوات والإذاعات والصحف المحلية أثبتت أنّها عاجزة عن مستوى الإخبار المهني، وقاصرة عن بناء المعرفة، وعاجزة عن الوصول إلى وجدان الجمهور.

الخطير في هذا المستوى أنّ استنساخ واجترار ذات المشهد الإعلامي عقب كلّ حادثة إرهابية يحصر منظومة الحرب على الإرهاب في خانة “ما بعد العمليات الإرهابية” ويضع الدولة والمجتمع والرأي العام ككل في أزمة معنى ومعضلة حلول جوهرها ثنائيّة بافلوف التي تعطي للمؤثر صفة الفاعل، وللمؤثر عليه صفة التبعيّة والخنوع.

وهي ثنائيّة يستغلها الإرهاب كثيرا من حيث الادعاء بأنّه يملك أوراق إدارة صراع كسر العظام وإسقاط الشرعية عن الدولة وفرض نفسه كحقيقة قائمة.

ولئن سلمّنا بأنّ الحرب على الإرهاب هي حرب سياسية وثقافية وعسكرية واستخباراتية بلا سقف زمني أو مواعيد تاريخية مضبوطة، وأن المطلوب حاليا هو تقليل الخسائر لدى الدولة والمجتمع ومفاقمة الخسائر لدى العدو الإرهابي وتحصيل الحاضنة الشعبية الأوسع للجيش والأمن، مقابل فرض حصار اجتماعي ضد التنظيمات التكفيرية، فإنّه من باب الوجوب والحتمية إخراج الإرهاب من زاوية الحدث الساخن والتطرق السطحي والمقابلات الفورية وتنزيله في سياق القضيّة الوطنية الشاملة والأولوية المطلقة التي تفرض التحسيس والتفكير الجمعي والاستراتيجيا الإقليمية ومنظومة الردّ الواسع.

مع طرح الإرهاب كقضيّة وطنية جامعة يعلو سقف الخطاب وترشح صفات المتدخلين ويستبعد أيضا منتحلو الصفات السياسية والعسكرية والأمنية ممّن يسقطهم ويفرضهم إعلام الأزمة وأزمة الإعلام في عالمنا العربي على المشاهد خلال كلّ حدث إرهابي.

ذلك أنّ آلة الخطاب الإعلامي للحدث الإرهابي تدور في ثنائيّات تناقضيّة على أساس الانتماءات السياسية والفكرية، ما يسقط غالبية التحاليل في مأزق الأدلجة، فلا يكون المرمى التفسيري التحليل وإنما إلصاق التهمة بالطرف المتناقض معه وإحياء النعرات السياسوية، وهكذا تضيع المعرفة على أنقاض شيطنة الآخر وتقديس الذات.

ولئن أنتج فكر الفقر تطرفا وتعصبا مخلوطين بنقمة اجتماعية، فإنّ فقر الفكر ينتج تنطّعا وتقوقعا مركبّا ومغلفا بأراجيف ومغالطات وأشباه معارف. نعم الطامة في المتكلمين أنصاف العارفين.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر