الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

عودة للحريم أم صحوة للدين

برغم ما هو متداول من أن 'مكافحة الإرهاب' هي الهدف الرئيسي من التدخل الايراني في الشأن العراقي، فالسؤال الذي يطرح نفسه هل يرضى قادة إيران الخروج بخفي حنين أو بأقل من ذلك؟

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/12/04، العدد: 10117، ص(21)]

يبدو أن حزمة الإصلاحات التي وعدت بها الحكومة العراقية الجديدة قد بدأت بشائرها تهل بصدور قرار من وزارة التربية، يقضي بفصل الطلبة الذكور عن الإناث بمعاهد الفنون الجميلة.

وبموجب هذا القرار لن يسمح للمدرسين بتدريس الطالبات ولا للمدرسات بتدريس الطلاب، كما كان معتادا سابقا.

وربما ستعقب هذا القرار قرارات أخرى تقضي بالفصل بين الجنسين في الجامعات والبنوك والمحلات التجارية.

وقد تُبنى الحواجز الفاصلة بين الذكور والإناث في كل مكان، حتى داخل الأسرة الواحدة، نزولا عند الصحوة الدينية لرجال الدين الذين يطمحون إلى تغيير بنية المجتمع العراقي وفق ما يتناسب مع تعاليمهم المستقاة من قرون عهد الظلام.

وبأمر من الحلفاء الإيرانيين من جهة وتحت ضغوط أصحاب العمائم من جهة ثانية، قد يتم تقسيم بغداد إلى نصفين، نصف للرجال ونصف للنساء.

كل شيء أصبح محتملا، وجميع الفرضيات ممكنة في العراق الجديد الذي مزقته الطائفية والمحاصصة الحزبية والميليشيات الدينية.

ولا عجب أن يصدر العجاب عن بيت الطاعة الإيراني الذي لا يستطيع العديد من القادة العراقيين الخروج عن إملاءاته وتعاليمه الدينية والسياسية وتدخلاته في كل صغيرة وكبيرة تهم الشأن العراقي.

وقد تبين في أكثر من مناسبة أن أعمال العنف والتفجيرات التي يشهدها العراق مرتبطة بصفة مباشرة بعنصري التفاهم والاختلاف بين أطراف الشراكة القائمة أساسا على توافقات طائفية ومذهبية وسياسية.

وبرغم ما هو متداول من أن “مكافحة الإرهاب” هي الهدف الرئيسي من التدخل الايراني في الشأن العراقي، فالسؤال الذي يطرح نفسه هل يرضى قادة إيران الخروج بخفي حنين أو بأقل من ذلك؟

ولذا لا يبدو أن قرار الفصل بين الجنسين في معاهد الفنون الجميلة قرار اعتباطي بقدر ما هو غاية في نفوس قوى طهران الخفية التي تسعى جاهدة إلى طمس كل معالم الفنون والجمال في العراق، من خلال محاولة تضييق الخناق على عشاق الفنون الجميلة، وسد كل النوافذ الضيقة التي مازالوا يتنفسون من خلالها.

إنها حملة مقصودة على معاهد الفنون والمؤسسات العريقة التي تخرج منها الآلاف من الفنانين والفنانات الكبار على مدى عقود من الزمن، ومثلوا ولا يزالون يمثلون العراق عربيا وعالميا.

بل هي حرب معلنة على ثقافة بلاد الرافدين، ومحاولات مقصودة لقتل الإبداع الذي كان متوفرا في كل أسرة عراقية، وعرف على مر التاريخ بالثراء والتنوع والتوارث عبر الأجيال.

ومن صروف الدهر أن يصبح الغذاء الروحي للعراقيين ومعالم مهد الحضارات وموطن السومريين والآشوريين والعباسيين، جميعها في مهب الأفكار الهدامة التي تحاول محوها من التاريخ ومن الذاكرة.

ولكنهم مهما فعلوا لن يستطيعوا أن يقتلوا الفن الذي يسري في دماء العراقيين وشرايينهم، وبرغم المرارة ستصدح الأصوات بالغناء عاليا متحدية الظلام والظلاميين، ولن تجف الريشة ولا الصلصال ما دام الحسن والجمال يسكنان الروح.

أما إذا كان الهدف من قرار الفصل هو إعادة النساء إلى عصر الحريم، عبر المحاولات المعيبة لعزلهن ومنعهن من الاختلاط الطبيعي بالرجال في المجتمع العراقي، فإن ذلك لأكبر خزي وعار عليهم، لأن المجتمعات المتحضرة قطعت أشواطا في تمكين المرأة من حريتها وحقوقها ومساواتها مع الرجل، في حين ما يزال في العراق من ينظر للمرأة على أنها “ناقصة عقل ودين” أو “عورة”، ويسعى بكل الأساليب الملتوية إلى محاولة الانقلاب على تاريخها الناصع، وتغيير صورتها المشرقة والمشرفة التي أبهرت العالم منذ بداية القرن الماضي بتبوئها أعلى المناصب في الجيش والمحاكم والجامعات والحكومة، ليضع مكانها صورة باهتة موشحة بالسواد لامرأة سجينة البيت وخادمة مطيعة للرجل.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر