الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الواعظ والمعاجيني

في مكان يقال له “أم الربيعين”، ويعرفه الغرب والشرق اليوم باسم عاصمة داعش الأولى، أي “الموصل” ولد شمس الدين وعاش قبل سبعمئة عام، ولما جاء المغول بحضارتهم إلينا انتقل شمس إلى القاهرة، هاربا بنفسه وموهبته.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/12/04، العدد: 10117، ص(24)]

كان في البلاد السعيدة طبيب يشتغل في مداواة العيون، لكنه لم يكن يرتضي لمهنته أن تسرقه من موهبته، وصحيح أنه كان كحّالا يضع الكحل في مقل البشر، لكنه كان يزرع في قلوبهم أمورا أخرى تبهجهم وتعلّمهم وتزكّيهم في تلك العصور المظلمة من أيام انحطاط الأمم، والتي لسنا عنها ببعيدين اليوم، سألوه يوما عن صنعته، فقال شعرا “يا سائلي عن صنعتي في الورى/ وحرفتي فيهم وإفلاسي/ ما حال مَنْ درهمُ إنفاقه/ يأخذه من أعينِ الناسِ؟”.

وفي مكان يقال له “أم الربيعين”، ويعرفه الغرب والشرق اليوم باسم عاصمة داعش الأولى، أي “الموصل” ولد شمس الدين وعاش قبل سبعمئة عام، ولما جاء المغول بحضارتهم إلينا انتقل شمس إلى القاهرة، هاربا بنفسه وموهبته، ليبدع هناك ما لم يعرفه العرب والعالم إلا متأخرا، فكان أبا للسينما والمسرح، وكتب ومثّل أعمالا ما زالت نصوصها موجودة حتى اليوم، منها “طيف الخيال”، و”عجيب غريب” و”المتيم وضائع اليتيم”.

ورغم أنه عاش في كنف المماليك وانتصارهم على المغول، إلا أنه كان يعارض السلطان الظاهر بيبرس، الذي كان قد منع اللهو والمجون وكل ما لا يفهمه المتطرفون أو العسكر، فعلّم نفسه لهجة المصريين وظرافتهم، وبدأ ينتقد ما حوله من ظواهر ليتحول إلى مرآة لعصره.

افتتح ابن دانيال في باب الفتوح بالقاهرة دكانا لطب العيون، ولكنه كان يوصده على نفسه ليلا ليؤلف ويشتغل كما قالوا في علم “المخايلة” أي خيال الظل والترفيه، ولما اشتهر صار الملوك لا يستطيعون قضاء أيامهم من دون وجوده، فابتكر نوعا جديدا من الكتابة سمّاه “البابات”، مفردها “البابة”، ساخرا بها من اللهجات والعادات، متعرضا لحياة العمال والبسطاء، تؤديها شخصيات من خياله منحها أسماء مثل عجيب الدين الواعظ وعسليّة المعاجيني، وعاش مع شخصياته تلك أربعين عاما في القاهرة وتوفي فيها.

وبعد وفاته بأربعمئة عام، ظهر في القاهرة رجل آخر، ورث روح ابن دانيال، وهو شركسي متهكم لا يعجبه العجب يدعى علي بن سودون البشبغاوي، ومع أنه كان إماما لمساجد كبرى في القاهرة، إلا أنه بعد أن غادرها إلى دمشق، قلبته المدينة، فاشتغل بخيال الظل، وقام بدوره بقلب العالم، فصار يتعجّب من الأمور العادية ويبرزها وكأنها خوارق، فألف كتابا مهمّا يعدّ مرجعا في علم الإنسان، سمّاه “نزهة النفوس ومضحك العبوس”، وكان من شعره الانبهاري قوله “وكم عجبٍ عندي بمصر وغيرها/ ومصر بها نيلٌ على الطين قد جرى/ وفي الشام أقوامٌ إذا ما رأيتهم/ ترى ظهر كلٍ منهمُ وهو من وَرَا/ وتسخنُ فيها النارُ في الصيفِ دائماً/ ويبردُ فيها الماءُ في زمنِ الشتا/ وفيها رجالٌ همْ خلافُ نسائِهم/ لأنهم تبدو بأوجههم لِحى/ ومن قد مشى وسط النهار بطرقها/ تراه بها وسْط النهارِ وقدْ مشى”.

ولا عجب أن يتعجب المرء اليوم مما تعجّب منه ابن سودون قبل قرون.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر