الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

وقفة مع بيان اتحاد علماء المسلمين

الخطير في الأمر أن يبرهن الاتحاد على جهله بطبيعة الصراع الدائر في سوريا، وأن يغمض عينيه عن الدور الذي لعبته تركيا في التمهيد لتنظيم داعش من أجل تحقيق 'دولة التمكين'.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/12/05، العدد: 10118، ص(9)]

لم يكن مفاجئا أن يصدر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي يرأسه يوسف القرضاوي، بيانا يعلن فيه دعمه للدولة التركية في صراعها مع روسيا، على خلفية إسقاط الأولى لطائرة الثانية قبل نحو أسبوع فوق الأجواء السورية؛ ذلك أن الاتحاد قرر، منذ أن وعى بأن لديه مهمة سياسية، أن يضبط حركة سيره حول محور التيار الإخواني في مصر، يدور معه حيث دار، فتحول بذلك إلى اتحاد طائفي يخدم أجندة معينة في المنطقة، ويخضع أسلوب تعامله مع الأحداث لسياسة المحاور.

الخطير في الأمر، أن يبرهن الاتحاد على جهله بطبيعة الصراع الدائر اليوم في الملف السوري، وفي مصير المنطقة عموما، وأن يغمض عينيه طيلة المسار الذي قطعه الموضوع السوري عن الدور الذي لعبته تركيا في التمهيد لتنظيم داعش المتطرف من أجل تحقيق “دولة التمكين”، ليقفز مرة واحدة إلى المطالبة بدعم حكومة أردوغان، دون إدراك لخفايا الصراع والنوايا التركية من وراء الاستراتيجية التي اتبعتها، منذ اندلاع النزاع في سوريا قريبا منها.

بعد أن استعملت تركيا ورقة “الدولة الإسلامية في العراق والشام” من أجل فرض نفسها طرفا في أي معادلة للحل، قبل أن تنقلب الموازين في المنطقة، نجحت بنفس الطريقة في توظيف اتحاد علماء المسلمين، بغية إيجاد مشروعية لها في العالم العربي والإسلامي، والتغطية على سياستها الإقليمية خلال السنوات الأخيرة تجاه الملف السوري من ناحية، وعلى سياستها الداخلية التي تتجه إلى محاربة الحريات، من ناحية ثانية.

يتكئ الاتحاد على أطروحة مفادها أن تركيا جزء من المحور السني في العالم الإسلامي، وأن دعمها من شأنه أن يشكل مناكفة للمحور الشيعي الذي تتزعمه إيران، وهي أطروحة لا تخلو من وجاهة في ظل ما تمر به المنطقة العربية من احتقان طائفي، ورغبة إيرانية في فك طوق العزلة عنها من خلال تمددها في العمق العربي، كما يظهر ذلك عبر الحالة اليمنية. بيد أن هذه الأطروحة ليست كافية وحدها للمراهنة على النموذج التركي، كونها تجعل العامل الطائفي المحدد الأساسي للصراع في المنطقة، وتغفل عناصر التضاد الموجودة داخل المحور السني نفسه. ذلك أن تغليب كفة العامل الطائفي لوحده يعفي الحكومة التركية من المساءلة بخصوص سياستها الإقليمية، التي تهم العرب بشكل أساسي، ويمنحها شيكا على بياض، بانتظار الجولة النهائية للصراع في سوريا، من أجل تلمس الطموحات الجديدة للحكومة التركية.

لاشك في أن بيان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين كان استجابة لرغبة تركية تم التعبير عنها، سواء بطريقة مباشرة أو عبر دولة قطر التي يقيم بها القرضاوي. فالواقع أن الأزمة الروسية التركية خلطت أوراق أنقرة، وليس هناك ما يدل على حجم خسارة تركيا من هذه الأزمة مثل لغة البيان نفسه، التي جاءت أقرب إلى المناشدة منها إلى مجرد الإعراب عن موقف أو منهج في التحليل. فتركيا كانت تراهن على الدور الروسي في تدعيم موقعها في المنطقة، وتحقيق التوازن بينها وبين إسرائيل وإيران، وفي تأهيل اقتصادها طمعا في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، التي يتم التلويح بها اليوم لشراء الموقف التركي في قضية الهجرة كنوع من المكافأة. فأنقرة ظلت تعتبر علاقتها القوية بروسيا ورقة ضغط في وجه الأوروبيين، باعتبارها بديلا جاهزا في حالة الاستمرار في إغلاق باب الاتحاد الأوروبي في وجهها، ولهذا السبب نلاحظ هذا الاندفاع الأميركي – الألماني في تأييد موقفها من الأزمة مع روسيا، ورفض اتهامات الأخيرة لتركيا بالاستفادة من النفط الذي تبيعه “الدولة الإسلامية” مقابل مساعدتها على التسلح؛ ذلك أن أميركا جاهزة لدعم أي رواية تعاكس مصالح موسكو، طالما أنها تدرك بأن دخول هذه الأخيرة المعترك السوري يعد منافسة لها في المنطقة، ويحد من نفوذها الأحادي في قضايا الحرب والسلم.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر