الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

فضاء نسائي

غياب دور المجتمع المدني في الحياة الثقافية، بسبب هيمنة الدولة على الحياة العامة، ساهم في تعطيل دور هذه النوادي وتغييبها، ما أدّى إلى اختفاء هذا الفضاء الأنثوي الحميم.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/12/08، العدد: 10121، ص(15)]

المنتديات أو الصالونات الأدبية ظاهرة قديمة، ترافق ظهورها مع نشوء حركة تحرر المرأة العربية، ومشاركتها في الحياة الثقافية، بفعل تأثير الفكر الليبرالي الغربي الوافد إلينا من الغرب. لعبت هذه المنتديات دورا هاما في تاريخ الحياة الأدبية العربية، كما هو حال منتدى هدى شعراوي والكاتبة مي زيادة في القاهرة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا ظل هذا الفضاء خاصا بالمرأة، ترعاه وتشرف على إدارته، على الرغم من أن أغلب رواده كانوا من الكتاب والأدباء الرجال؟

إن تأنيث هذا الفضاء نابع من طبيعة شخصية المرأة، التي تتعامل مع العالم المحيط بها وكأنه أسرة تحتاج إلى الرعاية والحب، وهي سمات غير موجودة عند الرجل، الذي يتميز بنزعته الفردية، ما يجعله على الرغم من مشاركته الفاعلة في هذه المنتديات، عاجزا عن لعب هذا الدور في خلق مثل هذا الفضاء، وتأمين شروط نجاحه.

من خلال هذه الطبيعة استطاعت المرأة أن تستحوذ على هذا الفضاء وتطبعه بطابعها الخاص، لكن ذلك لا يعني أن هذه الصالونات الأدبية، كانت في نفس المستوى من حيث استقطابها لأدباء عصرها، ودورها الذي لعبته، فقد لعبت شخصية صاحبة الصالون وثقافتها دورا هاما في اجتذاب مشاهير زمانها من الأدباء والشعراء. كذلك كان لموقع المدينة تأثيره ثقافيا في انتشار شهرة هذا الصالون أو ذاك.

في نهاية القرن التاسع عشر ظهر منتدى الشاعرة مريانا مراش في مدينة حلب، واستطاع هذا المنتدى استقطاب رموز الثقافة في تلك الفترة كأديب القسطاكي، الذي يعدّه البعض رائد الرواية العربية، والمصلح الاجتماعي الشهير عبدالرحمن الكواكبي، لكن النادي الشامي الذي أنشأته نازك العابد في دمشق عام 1920 كان أكثر شهرة من نادي مراش، نظرا لأهمية دمشق وتمركز الحياة الثقافية فيها.

ورغم أهمية الدور الذي لعبته هدى شعراوي على مستوى تاريخ حركة تحرر المرأة العربية، إلا أن شهرة النادي الذي أقامته مي زيادة كانت أكبر من شهرة نادي شعراوي، بسبب طبيعة شخصية زيادة وثقافتها، والجو الخاص الذي استطاعت أن تخلقه داخل صالونها الأدبي.

لكن غياب دور المجتمع المدني في الحياة الثقافية، بسبب هيمنة الدولة على الحياة العامة، ساهم في تعطيل دور هذه النوادي وتغييبها، ما أدّى إلى اختفاء هذا الفضاء الأنثوي الحميم، على الرغم ممّا كانت ترفعه الأنظمة الوطنية واليسارية من شعارات التحرر والمساواة، الأمر الذي جعل المثقف الرجل يهيمن على الحياة الثقافية، ويطبعها بطابعه الخاص. رغم ذلك ظلت بيروت المدينة الوحيدة، التي ما زالت تحافظ على شيء من هذا الإرث الثقافي.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر