الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

من التسوية الوظيفية إلى الفرصة التاريخية

كم من 'تسوية' صارت استعصاء محليا وإقليميا ودوليا، وكم من 'استعصاء' و'معضلة' استحالا فرصتين تاريخيتين وطنيتين للإصلاح والبناء والإنجاز الثوري.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/12/09، العدد: 10122، ص(8)]

التوقيع الأوّلي على وثيقة إعلان المبادئ بين الفرقاء الليبيين في تونس يتنزل في سياق بداية زمن التسويات السياسية لإطلاق زمن الصراعات الإستراتيجية مع التنظيمات التكفيرية وعلى رأسها “داعش”.

على عكس المنطوق الإعلامي لوفدي المؤتمر الوطني والبرلمان الليبي، فإنّ التفاهم لم يكن نابعا من توافق محلي بين الفرقاء، بقدر ما كان نتاج قرار إقليمي ودولي بضرورة توحيد البندقية صوب التنظيمات التكفيريّة التي أصبحت اليوم تسيطر على جزء معتبر من الجغرافيا الليبية، وتهدد بإسقاط المغرب العربي ومنطقة الساحل برمتها في أتون شبكات الإرهاب والتهريب.

الحقيقة التي لابدّ من التسليم بقدرتها التفسيرية في السياق العربي أنّ التقاطعات صارت خارجية وأنّ تجسيداتها باتت محليّة، بشكل أصبح فيه القرار والخيار سواء للسلم أو الهدنة أو للحرب بيد القوى الكبرى الماسكة بزمام الأمور وبنهايات الاحتراب الأهلي.

على وقع التحذيرات الأوروبية والأميركية من أنّ الإرهاب في المنطقة العربية زاد عن المنسوب المسيطر عليه غربيا، وأنّ عبارة “أنصاف المؤامرات أنصاف الثورات” استحالت اليوم في ليبيا وسوريا والعراق “نصف احتراب نصف إرهاب”، تنسحب على الجغرافيا العربية صفحة كاملة من التوافقات المحليّة العائدة أساسا إلى تفاهم دولي بضرورة تقديم محاربة الإرهاب كأولوية مطلقة إلى حين عودته إلى كينونته الأولى “إرهاب عربي إسلامي في دول العرب والمسلمين حصرا”، “إرهاب يستنزف المؤسسات ويستهدف الدول”، “إرهاب يضع الدول العربية في سياق ما قبل الدولة وما بعدها في آن واحد”.

لم تكن الكلمة السريّة في اتفاق تونس متمثلة في الحياد الإيجابي الذي تمتاز به تونس حيال فرقاء الجغرافيا والسياسة، بل كانت العبارة المفتاح أنّ اتفاق تونس ليس سوى عينة تمثيلية مصغرة لاتفاق بين اللاعبين الكبار “الروس والأوروبيين والأميركان” على ضرورة الانتهاء من الأزمات السياسية الحالية، لتجميع كافة الجهود لمحاربة “الإرهاب” وفق المنطوق والمنطق الغربي للحرب على التنظيمات التكفيريّة.

اللافت أنّ اتفاقا سياسيا جوهريا في طور التحضير حاليا في لبنان بين الفرقاء السياسيين لسدّ الفراغ الرئاسي المستمر منذ سنتين، وذلك بوضع سليمان فرنجية على رأس السلطة التنفيذية في البلاد وهو اتفاق في ظاهره سياسي محلي وفي باطنه حربي إقليمي دولي يرنو إلى تصويب فوهة البندقية في وجه الإرهاب المسيطر على أجزاء من الشمال اللبناني المتاخم للحدود السوريّة.

بالتوازي مع لبنان تتحرّك عجلة التفاوض والتفاهم السياسي في سوريا على وقع التقاطع الروسي الأميركي لإيجاد حلّ يساهم في محاربة “داعش”. وهو تفاهم ثنائي دولي سرعان ما تكرّس في شكل مصالحات محليّة في حمص ودمشق يتمّ معاضدتها بغزل غربي يصبّ في صالح إعادة تأهيل الرئيس السوري بشار الأسد تمهيدا لمؤتمر “نيويورك” للتسوية الشاملة في الشام.

والحقيقة أنّ واحدا من بين أسباب معظم التسويات السياسية العربية كامن في ارتباطها بالفاعلين الإقليميين والدوليين، سواء من ناحية الإبرام أو النقض إلى درجة حوّلت التسويات السياسية إلى تسويات وظيفية لصالح القوى الإقليمية وليس إلى حلول ميثاقية لأبناء الوطن تكون في بنودها العبرة التاريخية، وفي فصولها الإرادة المشتركة للبناء والإصلاح، وفي فلسفة نصوصها علويّة حرمة الأوطان.

وطالما أنّ الوظيفية الإقليمية والدولية هي الحاكمة لفعل التسوية وليست الإستراتيجيا الوطنية فإنّ بنود الاتفاق على أهميتها لن تتجاوز مدى المسكنّات ولن تؤسس لجبهة موحّدة لمقاومة معوقّات المنجز الثوري حيث أنّ الإرهاب هو أحد تجلياتها.

من واجب الليبيين توظيف اتفاق تونس وتحويله إلى ميثاقيّة وطنيّة شاملة تتجاوز الأبعاد الوظيفية البراغماتية للفاعلين الدوليين الراغبين في تأبيد الأزمات الداخلية وتحجيم الإرهاب ضمن الحدود الجنوبية والشرقيّة.

كم من “تسوية” صارت استعصاء محليا وإقليميا ودوليا، وكم من “استعصاء” و”معضلة” استحالا فرصتين تاريخيتين وطنيتين للإصلاح والبناء والإنجاز الثوري.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر