الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

التطرف وابنة مالك.. إلى أين

اليمين المتطرف حصد نتائج الضربات الإرهابية في باريس وقدم طبقا من التطرف السياسي مقابل تطرف العنف.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/12/10، العدد: 10123، ص(8)]

خطابات رؤساء الدول وإعلان توقيتاتها يقتربان من الانتظار في صالة المراجعين لمقابلة طبيب، ربما يتأخر قليلا أو يضطر إلى تجاوز مدة فحص بعض مرضاه ومتابعة حالات تستدعي الوقوف عندها وإعادة النظر في جدوى بعض الوصفات العلاجية بما يتطلب تغيير نوع الأدوية أو الجرعات.

ومن تجاربنا الإنسانية أن المصابين بالأمراض المستعصية وفاقدي الأمل في الشفاء يتعاطى معهم الطبيب بالتطمينات والوصفات العادية ويخفض من كمية ونوعية الأدوية ليتجنب الانهيارات النفسية أو الشعور بقلق الطبيب من الحالة، الذي ينتقل بسرعة وحساسية مفرطة إلى المريض بتفسير كل إيماءة وإشارة وكلمة، والحل في النهايات، وصفات ليست للعلاج، إنما مسكنات لتجاوز الألم وتقبّل الأمر الواقع بهدوء واطمئنان.

خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما يندرج تحت بند الربع الأخير من فترته الرئاسية الثانية بعد 7 سنوات من مراجعة ملف الإرهاب وتمدده في العراق وسوريا، وأعراض لأمراض خطيرة أخرى واندفاعات جانبية غير محسوبة، ورغم الانتقادات الموجهة للرئيس قبل وبعد الخطاب، إلا أنه ثابت على نهج وعود قطعها للناخب الأميركي بعدم إرسال قوات عسكرية إلى مناطق النزاعات الأكثر خطرا في العالم.

الإستراتيجية الأميركية حتى بعد الهجوم على المصحة في سان بريناندينو بكاليفورنيا ومقتل 14 من الضحايا، تمضي ضمن الوصفات المكررة مع زيادات في عدد الغارات الجوية وبعض العمليات الخاصة، وخوض المعارك على مواقع التواصل الاجتماعي للحد من ظاهرة التجنيد الملفتة للنظر. حوادث لا تتناقلها وسائل الإعلام لكنها حاضرة في الواقع اليومي للحياة الأميركية، شملت اعتداءات وردود أفعال فردية وجماعية بعد 13 نوفمبر باريس، تمثلت في إلحاق الأذى النفسي والجسدي ببعض العرب والمسلمين، امتدت إلى معاناة الأطفال في المدارس.

وكان لتنويه أوباما بأن الحرب ليست مع الإسلام إنما مع الارهاب، إشارة بإيقاف الاستثمار السياسي لأحداث العنف في خطب وبيانات المرشحين المحافظين لانتخابات 2016 لأنها ستؤثر في تصعيد التوتر والمخاوف المجتمعية، خاصة بعد القرارات المنفعلة بعدم قبول اللاجئين السوريين أو الطلب بعدم منح التأشيرة للمسلمين وهو ما يوفر ضمانات في تحشيد الرأي العام للفوز بالأصوات، كما في الحملة الانتخابية لبين كارسن والمرشح دونالد ترامب الذي يمثل جناح اليمين، أو اليمين المتطرف، في حزب المحافظين.

فرنسا وكما توقعنا، مارين لوبان زعيمة حزب الجبهة الوطنية، خطفت الأصوات في الانتخابات الموجهة أو المبكرة من اليسار الاشتراكي الممثل بالرئيس فرانسوا هولاند واليمين بشخصية نيكولا ساركوزي، وهي المرة الأولى منذ عقود طويلة تتقدم فيها على كل نتائج الحزب أيام زعامة والدها. الحقيقة أن اليمين المتطرف حصد نتائج الضربات الإرهابية في باريس وقدم طبقا من التطرف السياسي مقابل تطرف العنف وهي نتاج آني لحصد شعور الصدمة عند المواطن الفرنسي.

أنصار الجبهة الوطنية، لا يرجعون فوزهم الساحق إلى ردة الفعل تجاه ما شهدته باريس، إنما إلى نشاط زعيمتهم مارين وتوجهها لمعالجة الواقع الاقتصادي والحياتي لقطاع واسع متمثل بالعمال والتأكيد على إعادة روح الجمهورية وقيم الأمة الفرنسية، وذلك ما يخشى منه الآخرون، خوفا من تنامي الشعور بالكراهية ضد المقيمين من الجاليات العربية والإسلامية وأصحاب الجذور غير الفرنسية، مع أسبقيات لملفات عدد من الإرهابيين والمتورطين من عوائلهم أو أصدقائهم ومن تحوم حولهم الشبهات.

لوبان في كلمتها بعد النتائج تحدثت بلغة مسؤولة عن أسباب تقدم حزبها لتعطي فرصة مضافة لإمكانية تحقيق نتائج احتياطية وكسب أصوات مستقبلية ربما لم تشارك في التصويت لعدم وضوح الرؤية أو لمخاوف نتيجة آراء حذرة من انتصار تطرف اليمين.

التحالفات ونتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية ليست واردة الحسابات الآن، لكنها مؤشرات على متغيرات محتملة في مستقبل السياسة في أوروبا وأميركا على حد سواء.

من بوادر الإذعان الحتمي ما أعلنه أوباما في خطابه بمراجعة تشديد الإجراءات على منح تأشيرات إعادة شمل العوائل للأفراد المقيمين، لأن منفذة العملية الإرهابية في كاليفورنيا تاشفين مالك قدمت إلى أميركا تحت فقرة التسهيلات القانونية المذكورة.

في ظل المعطيات الحاضرة سنشهد صعود اليمين المتطرف إلى مواقع الواجهات السياسية كناتج طبيعي للمحاذير من ازدياد العنف وعدم معالجته الحاسمة تحت ذرائع سمحت بتفاقم الأزمات، والخروقات الأمنية أصبحت واردة ولا يمكن ردعها بالمسكنات والصبر على إضاعة كل هذا الوقت. بعد أحداث باريس أكد أوباما أن أميركا ليست في خطر وبعد أيام ردت “ابنة مالك”، وأطلقت النار على مرضى في مصحة، مع زوجها سيد فاروق، وهاتان الشخصيتان ينبغي الوقوف أمام دورهما وكيفية تجنيدهما.

في الساعات الأولى من تنفيذ الجريمة الإرهابية تضاربت حولهما الآراء والنيات، بعدها جاء التصريح بالعثور على إشادة بتنظيم داعش وجدت على صفحة تاشفين في مواقع التواصل الاجتماعي، ولهذا دلالة خطيرة تعني انفتاح عمليات العنف وإنجاب مواليد إرهابية عن طريق التواصل عن بعد، بما يكشف أن العمل في صفوف التنظيم لا يتطلب الانتساب والعضوية كما في سائر التنظيمات عبر التاريخ، إنما العبرة في تنفيذ الهجمات ثم تبنيها، وهذا في علم النفس الجنائي إغراء لليائسين والراغبين في الانتحار أو كارهي الحياة، لتغليف موتهم برداء الجهاد أو العمل المنظم بمجرد إشارة إعجاب إلى مجموعة عنف أيا كانت للحصول على شهرة خاصة حتى بعد الموت، وفي عموم السلوك البشري تصرفات وجرائم تؤكد ذلك.

النزاعات تتسع والأجواء ملبدة بالطائرات والصواريخ والإنترنت، والأرض تتغير في مناخها الطبيعي والإنساني، وصناعة المهمشين مستمرة، والخوف يدفع إلى التطرف من اليسار إلى اليمين، ثم إلى اليمين المتطرف في السياسة، مقابل تطرف “ابنة مالك” في العنف، ثم إلى أين؟

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر