الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الورنيش والمستقبل

ﺷﺎﺭﻟﺰ ﻛﺘﺮﻧﺞ كان عالما لم تستطع شهرته منافسة شهرة اختراعاته، فهو مخترع المادة الأكثر شعبية بين الناس 'الورنيش السريع'، لكن كترنج كان حكيماً.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/12/11، العدد: 10124، ص(24)]

ظهر شارلي شابلن متأبطاً ذراع ألبيرت آينشتاين في حفل افتتاح فيلم “أضواء المدينة”، فضجّ الناس بالهتاف. سأل آينشتاين صديقه “هل يهتفون لي أم لك؟”، فقال شابلن “إنهم يهتفون لي لأنهم جميعًا يفهمونني، ويهتفون لك لأنه لا أحد منهم يفهمك على الإطلاق”، لكن المستقبل جعل الناس تفهم ما قاله آينشتاين.

أما ﺷﺎﺭﻟﺰ ﻛﺘﺮﻧﺞ فقد كان عالما لم تستطع شهرته منافسة شهرة اختراعاته، فهو مخترع المادة الأكثر شعبية بين الناس “الورنيش السريع”، لكن كترنج كان حكيماً. سألوه مرة “ﻟﻤﺎﺫﺍ ﺗﺘﺤﺪﺙ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ؟”، ﻓﺄﺟﺎﺏ “ﻷﻧﻨﻲ ﺳﺄﻗﻀﻲ ﺑﻘﻴﺔ ﺣﻴﺎﺗﻲ فيه”، وقد نطق بما يجب أن يقال في كل عصر، فالقادم هو ما يستحق التفكير فيه أكثر من أي شيء آخر.

وقد ساق المستقبل ذاته لرجل مثل آينشتاين ما لم يكن يتوقعه أحد، بعد أن تمرمر في حياته العملية، واضطر إلى العمل وهو في عزّ شهرته، موظفاً بسيطاً في مكتب براءات الاختراع، ورغم ذلك فقد حاول المستحيل كي يعمل في مجاله، فكتب رسائل إلى كبار العلماء كي يقبلوا بتعيينه مساعداً لهم في الجامعات، وكان من بينهم فيلهلم أوستفالد أستاذ الكيمياء في جامعة لايبزيج الذي نال جائزة نوبل عن نظريته في “التخفيف”، ويا لهذا التعبير البليغ، في ما سيحمله من تعامله مع آينشتاين الذي كتب له رسالة قال فيها “إن عملكم في الكمياء العامة ألهمني كتابة المقالة المرفقة”، لكن أوستفالد لم يرد على الرسالة، ثم تحول مديح آينشتاين له إلى طلب في الرسالة التالية “هل تحتاج فيزيائيًا رياضياً؟” ليصل إلى ذروة التوسّل في الثالثة “أنا بلا نقود ولن يساعدني على مواصلة دراستي إلا وظيفة من هذا النوع″، ولكنه لم يتلق ردًا، فكتب رسالة أخرى وبرّر ذلك بقوله “أنا لست متأكداً إن كنتُ قد كتبت عنواني على الخطاب السابق” ومع ذلك، لم يصله ردٌ أبداً.

حتى حياته الشخصية، كانت تعيسة في بداياتها. فلم يسمع النصح وتزوج من ميلفا، وبعد أن وصلت علاقتهما إلى جدار مسدود، قام آينشتاين بعرض صفقة عجيبة على ميلفا؛ قال لها: من المؤكد أنني سأفوز بجائزة نوبل يوماً ما، والصفقة هي أنك إذا وافقت على الطلاق، فإنني سأمنحك الجائزة بعد أن أحصل عليها. ولأن ميلفا كانت تؤمن بعبقرية آينشتاين، رغم خلافها معه، فقد وافقت. فانهمك آينشتاين لسبعة عشر عاماً في عمل متواصل ليس من أجل العلم، بل من أجل أن يحصل على جائزة نوبل ويمنحها لميلفا ليحصل على الطلاق منها.

وفي يوم من الأيام، بعد سنوات طويلة، رنّ جرس هاتف الأكاديمية التي كان آينشتاين يدرّس فيها، وطلب المتحدث أحد العمداء، فقال له السكرتير إنهم مشغولون، فسأله المتحدث عن عنوان بيت آينشتاين، فأجاب السكرتير بأنه من المستحيل أن يعطيه عنوان العالم العملاق. عندها انخفض صوت المتحدث وتحول إلى همس قائلاً “أنا آينشتاين، وأريد الذهاب إلى المنزل، لكنني نسيت العنوان”.

هذا هو المستقبل.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر