الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

فرنسا تنجو من السقوط في قبضة التطرف

التطرف اليميني يعكس حالة الأزمة في لحظة كثافتها، مما يعني أنه حالة استثناء وسط القيم الأوروبية الحديثة التي انتصرت قبل حوالي قرنين على الوحشية والإقصاء والانغلاق.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/12/16، العدد: 10129، ص(8)]

في تحول مثير، يشبه حالة الصدمة النفسية المفاجئة، قفز حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف في فرنسا من الربح إلى الخسارة بضربة واحدة، في الجولة الثانية لانتخابات المناطق التي أجريت الأحد، في الوقت الذي كان يتوقع أن يحافظ على الأقل على موقعه، فيما كان الآخرون يشدون على قلوبهم، خوفا من انهيار فرنسا وسقوطها في قبضة حزب يضع عينه على رئاسة الجمهورية منذ إنشائه على يد جون ماري لوبين، والد زعيمة الحزب الحالية، عام 1972.

حصل هذا التحول بطريقة دراماتيكية، كما لو أن الناخبين الفرنسيين تيقظوا بشكل متأخر بعد نتائج الجولة الأولى، فقد انتقلت نسبة المشاركة ممّا يقارب الخمسين في المئة إلى ستين في المئة في الدور الثاني، بعد النداء الذي وجهته مختلف الأحزاب، من اليسار إلى اليمين، بالدعوة إلى الحيلولة دون السماح بفوز حزب لوبين، معولة على استعداد الناخب الفرنسي للدفاع عن قيم الجمهورية والوحدة الوطنية، إلى حد دفع البعض، ومنهم رئيس الوزراء مانويل فالس، إلى التحذير من حرب أهلية، في حالة ما إذا تمكنت الجبهة الوطنية من إحراز فوز انتخابي في الدور الثاني.

تمثلت المفاجأة في أن الحزب حصل في الدور الأول على الرتبة المتقدمة في ست مناطق من أصل ثلاث عشرة منطقة، لكنه لم ينجح في الحفاظ على أي واحدة منها في الدور الثاني، على الرغم من أنه نجح في فرض نفسه لاعبا رئيسيا في المشهد السياسي الفرنسي، وسيكون القوة الأولى في المعارضة في أكثر هذه المناطق، وهو ما احتفت به رئيسة الحزب مارين لوبين، في معرض التخفيف من وطأة الفشل على قاعدتها الانتخابية من الفرنسيين.

لقد استفاد اليمين المتطرف من حالة الاحتقان التي تسود المجتمع الفرنسي، بمختلف فئاته، من جراء التفجيرات الأخيرة التي دفعت الرأي العام الفرنسي إلى مساءلة سياسات الحزب الاشتراكي الحاكم، وحزب الجمهوريين الذي يشكل الطرف الثاني في الثنائية السياسية القائمة بفرنسا طيلة عقود، وجعلته يعيد النظر في عدد من المحددات والمفاهيم مثل التعايش والتعددية الدينية والعلمانية المتسامحة مع الأديان الموجودة على أرض فرنسا، وهي نفس القضايا التي ظل اليمين المتطرف منذ نشأته يعمل على التشكيك فيها ومحاولة إقناع الفرنسيين بعدم جدواها، ويسعى إلى شيطنة المهاجرين ودغدغة مشاعر الناخبين من أبناء الطبقات الفقيرة، من خلال توظيف ورقة الهجرة بوصفها أزمة، لا بوصفها جزءا من النسيج الاجتماعي لفرنسا.

غير أن تلك الشعارات المتطرفة ظلت معزولة في المحطات الانتخابية السابقة، دون أن تمس القناعات التي ترسّخت لدى الرأي العام الفرنسي، الذي بقي منقسما بين الاشتراكيين والجمهوريين ولم يمنح الجبهة الوطنية الموقع السياسي الذي طالما رغبت فيه.

بيْدَ أن ما عجز الحزب عن تحقيقه بمختلف الوسائل طيلة مساره السياسي الماضي منحته إياه تفجيرات باريس الدموية. فغداة تلك الأحداث خرجت الجبهة الوطنية بخطاب مختلف عن باقي الأحزاب الأخرى، واعية بأن تلك الأحداث أصبحت تمثل مبررا يظهر مصداقية خطابها اليميني التقليدي، إذ لم تكتف بانتقاد السياسة الأمنية والاجتماعية للحزب الحاكم، كما فعلت باقي التشكيلات السياسية الأخرى، بل سارعت إلى مهاجمة السياسة الحكومية تجاه موضوع الهجرة والمهاجرين. ولعبت بعض الشخصيات السياسية، غير المحسوبة على الجبهة أو حتى على شعاراتها، دورا إضافيا في تعزيز خطابها أمام الرأي العام الفرنسي، بعد أن بدأت في كيل الاتهامات إلى الإسلام أو المسلمين والمهاجرين بشكل عام، من دون أن تدرك بأنها تضع المزيد من الحطب في الموقد الذي تعد عليه الجبهة الوطنية وجبتها السياسية المقبلة، والنتيجة التي حصلت أن الجبهة نالت أصوات ناخبيها التقليديين، مضيفة إليهم أصوات الخائفين أثناء الدور الأول من الانتخابات، لتصبح ثاني حزب منافس في المشهد السياسي داخل فرنسا بعد الحزب الاشتراكي، مكسّرة بذلك الثنائية القديمة بين الاشتراكيين والجمهوريين، لتفرض نفسها طرفا ثالثا يحسب له حسابه.

ولا شك أن جزءا كبيرا من المعالجة الإعلامية والتناول الثقافي لأحداث تفجيرات باريس قد لعبا دورا في تخويف الفرنسيين ودفعهم إلى الارتماء في أحضان اليمين المتطرف، إذ أن الكثير من هذه التحليلات سقط في نفس المقاربة التي تتبناها الجبهة الوطنية، عن طريق المصادفة، فالانحراف بالنقاش إلى قضايا الهوية والشخصية الفرنسية، والتركيز المفرط على”العنصر الأجنبي” في المسؤولية عن تلك الأحداث، وتسليط المزيد من الأضواء على المهاجرين المسلمين، كلها عوامل وظفتها الجبهة الوطنية لفائدتها، معتبرة أنها تؤكد أطروحتها التقليدية، كما لو أنها تقول للفرنسيين إن ما كانت تنادي به هو نفسه ما يقوله خصومها اليوم، بعد أن أوجعتهم التفجيرات. فقد أعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أن “فرنسا في حرب”، لكنه لم يتمكن من حصد النتائج الانتخابية لذلك التصريح، بينما نجحت الجبهة الوطنية في استثماره لصالحها، محولة أنظار الناخبين إلى الداخل، فيما كان هولاند يوجه أنظار الفرنسيين إلى الشرق الأوسط.

لكن إذا كانت الجبهة الوطنية قد منيت بالهزيمة في هذا الدور الثاني، على بعد عام ونصف العام عن الانتخابات الرئاسية، فإن شبحها ما يزال قائما في الحياة السياسية الفرنسية، بعد أن أظهرت في الدور الأول لانتخابات المناطق قدرتها على استثمار الحالة النفسية للناخب الفرنسي، والتلاعب بمشاعر الفرنسيين العابرة التي نتجت عن تفجيرات باريس.

فقد كشفت النتائج الأولى درسا هاما جدا، يتعين أخذه بعين الاعتبار في تحليل مؤشرات تصاعد المد اليميني في أوروبا بشكل عام، وهو أن التطرف اليميني يعكس حالة الأزمة في لحظة كثافتها، مما يعني أنه حالة استثناء وسط القيم الأوروبية الحديثة التي انتصرت قبل حوالي قرنين على الوحشية والإقصاء والانغلاق الذاتي التي سادت المجتمعات الأوروبية في القرون الماضية، والتي يحاول اليمين المتطرف العودة إليها متحيّنا لحظة الكثافة في الأزمات الدورية العابرة.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر