الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

بوصلة أسبانية لجيل تظاهرات العراق

هل بإمكان جيل الشباب العراقي أن يلتفت إلى تجارب الآخرين وينزوي بنفسه معيداً التفكير في صياغة دروب خاصة تمثل إرادته بعيداً عن أحزاب استهلكت نفسها في اجترار الأخطاء والانتقام.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/12/16، العدد: 10129، ص(9)]

المشهد السياسي بعد احتلال العراق تعكز على مفردة الديمقراطية في تشكيل نظام حكم مكون من المعارضة المتآكلة شخوصها بالكراهية والعقد القديمة، وارتمائها في أحضان الغرف السرية لمخابرات الدول وأهمها الولايات المتحدة، وعائدية التمويل، وأغلبها أحزاب طائفية حلمها السلطة بعد إرضاء مرجعياتها الدينية.

تناقض المشاريع أودى بالعراق إلى جوهر الاستبداد وملخصه موجه إلى الشعب “ينبغي أن لا تفكروا”، وكانت الديمقراطية الشعار الأكثر غرابة في تمرير الحملات الانتخابية للمرشحين الموغلين في التطرف المذهبي، بما أفرغ المعنى ومحتواه بتكتل المجاميع البشرية خلف انسياقها العاطفي لعناصر انقسامها، وأفرز نظام حكم هشا تسيطر عليه أهواء ورغبات دكتاتورية، برضى ومباركة المحتل وتوافقات مصالح، سرعان ما أثبتت الأيام أكاذيبها.

تمزقت أردية الديمقراطية لنتبين أبشع صور اللامبالاة بالشعب الذي ترك لمصيره يواجه احتلال مدنه وتهجير سكانها من قبل الجماعات الإرهابية، أو بالسيطرة على مدن أخرى بترويج الطقوس الدينية، وإذكاء الفرقة برعاية حكومية لاستثمارها كرصيد انتخابي مضمون النتائج لاتكائه على مفردات نفسية وروحية تتعلق بالإيمان عبر أحداث تاريخية تكتسب القداسة.

للميليشيات والفصائل المسلحة في العراق مرشحون وممثلون في مجلس النواب، كل ذلك يتم بالدفاع عن الديمقراطية والعملية السياسية التي أرسى قواعدها المحتل الأميركي وسلمها بالتراضي إلى المحتل الإيراني. واليوم، المشهد السياسي بات واضحاً وجلياً، وردود أفعال حكومة المنطقة الخضراء تجاه شعب العراق وحياته ومستقبله، أو تجاه الأحداث الجسام هي استجابة لنواهي وأوامر ولي الفقيه الإيراني.

ما دمنا في المشروع السياسي العراقي واستهلاك الأحزاب المعروفة والمجربة على مدى أكثر من 12 عاماً الماضية من عمر الاحتلالات وضياع الهوية الوطنية وعصف الانقسامات، نتبين بروز جيل يعبر عن رفضه من خلال فعالياته وتظاهراته وتداعياتها ومثالبها وانفعالها واستخدامها أحياناً حتى من السياسيين المجربين، لركوب موجة البراءة من جرائمهم السابقة وتحريضهم على العنف وتوفير كل مقومات الحرب الأهلية، وهم يحاولون تدوير نفاياتهم وإنتاج مبررات لمشاريع سياسية تقفز إلى مستوى مطالبتهم بتقديم الفاسدين إلى القضاء وعدم التستر عليهم، وهذا طبعاً من باب اللامعقول.

لأن وجهتنا الغد دائماً نحاول أن نلقي الضوء على المتغيرات في خرائط حركة وسير ونشوء الحركات السياسية في العالم، وبالذات في أوروبا لأنها مرتبطة بمخلفات احتلال العراق من أنظمة توتاليتارية تشمل داعش، ووجهها الآخر من الميليشيات التابعة لإيران، ونظام الحكم في العراق أو في سوريا.

نتائج اليمين المتطرف المُمَثل بالجبهة الوطنية في الانتخابات الفرنسية المبكرة مع استطلاعات رأي متعددة في عدد من الدول الأوروبية تؤكد مستوى الجهد السياسي لتكثيف إعادة النشاط والأمل بالحياة السياسية، وهو في الأصل ما يقابل الثورات الدموية لتغيير عالمنا الذي يستقل عربات قطار الدرجة الثالثة، لمواجهة انهيارات الاقتصاد والأمن.

المفاجأة الكبيرة ما تحمله لنا الانتخابات التشريعية في أسبانيا وموعدها العشرين من الشهر الجاري، وما يمكن أن يؤشر لنا عن إمكانية تبلور أحزاب جديدة بعيداً عن الأحزاب التقليدية الموجودة على الساحة، والكلام موجه مباشرة إلى الشباب وجيل التظاهرات في العراق الذي يفتقد للبرامج والتوجهات الفاعلة ويتشبث فقط بما يمكن تسميته فوضى المطالبات وضياع البوصلة لأهداف متبعثرة، تؤدي أحياناً إلى مطبات وعنف يحذر منهما المتمسكون بالتظاهرات السلمية لعدم وجود مرجعية سياسية تنهض بخطابهم الذي ينأى عن الصراعات الجاهزة.

بعد اندلاع الربيع العربي بأشهر، شهدت أسبانيا موجة من الاعتصامات الشعبية في العديد من المدن، احتجاجاً على الفساد المالي وتفاقم الأزمة الاقتصادية، وكانت من نتائجها ولادة حزب بوديموس ومعناه “نحن نستطيع″، ويمكن أن نترجمه حزب “قادرون” في العام 2011 كنتيجة للتظاهرات وبدأ بهيئة سياسية مصغرة ذات توجه يساري شعبوي متشدد في مناهضة العولمة والرأسمالية ويدعو للقضاء عليها. ومع التنامي السريع للحزب أثناء الانتخابات الخاصة بالبرلمان الأوروبي، أصبح بوديموس أو قادرون، القوة الممثلة لليسار، متقدماً على الحزب الاشتراكي وهو من أقدم الأحزاب في القارة الأوروبية، وتفوق أحياناً في استطلاعات الرأي حتى على الحزب الشعبي الحاكم في أسبانيا.

الأكثر مفاجأة هو صعود نجم المرشح الشاب ألبرت ريفيرا (36 عاماً) وهو أمين سر حزب (سيودادانوس أو مواطنون) وهو حزب يميني بدأ يلفت الأنظار إليه بداية هذا العام وحقق نجاحاً ملموساً ويتوقع أن ينافس الحزب الشعبي ويخطف منه أصواتا لا يستهان بها، لاهتماماته الليبرالية واعتدال خطابه.

ما يهمنا، أنهما حزبان تشكلا في حزمة الأزمات ليعبرا عن واقع سياسي بآليات عمل واتصالات تمنح فرصة إنجاب مواقف ورؤى شابة تكتشف الخطر الكامن خلف السياقات الجاهزة في تبويب الأحزاب يساراً أو يميناً، دون الأخذ بما يجري من انهيارات في المعنويات وتدني مستويات العيش وزيادة التحوط من الخروقات الأمنية نتيجة ثغرات البناء السياسي.

بتبسيط الخارطة السياسية الأسبانية، يتجه حزب بوديموس اليساري بأسهمه ليس إلى أقصى اليسار، إنما يميل إلى حزب سيودادانوس اليميني، وكذلك يفعل بالمقابل الشاب ألبرت ريفيرا عندما يميل بحزبه إلى اليسار، ليلتقيا قي نقطة وسط خارج الصراع التقليدي للأحزاب الكلاسيكية التي أفرغت محتواها منذ زمن طويل واستنفدت لعبتها، وهو ما أنتج ضرورة التغيير.

هل بإمكان جيل الشباب العراقي، جيل التداعيات الكبرى والحروب والاحتلالات، أن يلتفت إلى تجارب الآخرين وينزوي بنفسه معيداً التفكير بصياغة دروب خاصة تمثل إرادته بعيداً عن أحزاب استهلكت نفسها في اجترار الأخطاء والعداء والانتقام والانقسام، وآن لها أن ترحل في مفترق طرق خطير، لتصعد إلى السطح رؤى بناء وإصلاح المنظومة الاجتماعية والاقتصادية وإعادة انتشال وطن فقد الأمل بساسة الأقبية السرية للمخابرات الأجنبية سابقاً، والآن علناً.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر