الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

سؤال بريء

كان علينا أن نجد موضوعا جماهيريا يرفع المبيعات، فاقترحتُ أن نطبّق الاستطلاعات الصحفية التفاعلية على المعايير الإنسانية البسيطة، مثل الجمال، الفن والأزياء.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/12/18، العدد: 10131، ص(24)]

عقدنا اجتماعا لتبادل الرأي والتفكير في ما كنا نسميه “التيراج”، أي عدد النسخ المطبوعة من المجلة أو الصحيفة، وقد كانت حينها بضعة آلاف، لم يكن يباع منها سوى ربعها، فالأمور، كانت قبل سنوات، صعبة أمام وسائل الإعلام التي لا تدعمها الحكومات.

طرحتُ شخصيا فكرة الاستطلاعات، وكنت مديرا لتحرير صحيفة ثقافية اجتماعية صدرت في مناخ من التضييق الشديد في دمشق بداية الألفية، وهنا قفز رئيس التحرير على رجليه، وقال: لكنْ لا تقتربْ من السياسة. قلنا: لا بالطبع. ولا تقتربْ من الرياضة. قال رئيس التحرير. قلنا: لا بالطبع. ولا من الجيش. أضاف. فقلنا: أكيد. ولا من الأوضاع المعيشية والاقتصادية للمواطنين. قلنا :طيب. ولا من الجنس والدين. قلنا: أكيد لا يمكن. معقول!.

وهكذا، كان علينا أن نجد موضوعا جماهيريا لا علاقة له بكل تلك الأمور، يرفع المبيعات. فاقترحتُ أن نطبّق تلك الاستطلاعات الصحفية التفاعلية على المعايير الإنسانية البسيطة، مثل الجمال، الفن والأزياء. وكان أسهل الأمور تكليف صحفية شابة بإجراء استطلاع بين الناس، عن أجمل عشرة ممثلين وممثلات، فوافق رئيس التحرير متحمسا.

“لكن هذا عادي” قلت، “علينا أن نضيف إليه لمسة غير مألوفة، مثل أن نستفتي الناس في من هم أبشع عشر ممثلات وممثلين إلى جوار الأجمل، كما تفعل الصحافة الغربية”، مثلما تم اختيار مبنى سوبر ماركت “تيسكو” والشقق التي تعلوه، المبنى الأكثر بشاعة في بريطانيا، بحسب الكاربونكل كاب الجائزة التي تنظّمها مجلّة هندسة معمارية تدعو الناس إلى تسمية الأمثلة الأفضل على هندسات سيئة، التي من بين لجنة التحكيم فيها، المستشار الهندسي للأمير تشارلز هانك ديتمر، كذلك فعلت صحيفة “ديلي ميل” البريطانية، حين أعلنت فوز ميزون سيري بجائزة الرجل الأبشع في العالم. أيضا جائزة رازبيري التي تمنح للفيلم الأكثر رداءة والتي فازت بها مرة ساندرا بولوك ذاتها.

ولكن بعد نشر الاستطلاع ونفاد النسخ من الأسواق بسرعة البرق، ونجاح الخطة. غضبت الممثلات وانفجر الممثلون محتجين على رأي الجمهور بأشكالهم، وقرروا الانتقام من الصحيفة والمحرّرين، فبدأ الفرار الكبير من المكاتب، واختبأ رئيس التحرير في قبو الجريدة خشية أن يهاجم أحد مقرّه الرئيسي.

بالطبع كان من أظهرت نتائجه، بأنه الأجمل، سعيدا. لكن المشكلة كانت في القائمة السوداء. زارنا وقتها أصدقاء من النجوم المتضامنين معنا. اعتبروا أن أمرا كهذا طبيعي ومألوف في العالم، لكنهم سمعوا أن إحدى الممثلات، بعد قراءتها الجريدة أصابها انهيار عصبي، وأخرى كادت شقيقتها تتطلق من زوجها، لأنه عيّرها بأن أختها من قائمة الأبشع، وممثل آخر بكى أمام معجباته، واشتكى ثالث لأصدقائه الأقوياء في المخابرات.

أما بعض فلاسفة المعارضة فرأى أنه ليس من الحكمة استطلاع رأي الناس في أمور كهذه، خاصة في الأماكن الفقيرة كالضواحي وغيرها، فسكانها غير قادرين على التمييز بين الجمال والقبح خاصة في مقاييس الفن العالية والرفيعة.

وكان السؤال بسيطا جدا: هل ترى هذا الوجه جميلا أم لا؟ وكان من حق الإنسان التعبير عن رأيه، وهو رأيٌ لا سياسي لا ديني لا جنسي لا اقتصادي ولا عسكري.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر