الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

أردوغان: 'المعارض المعاضد' لإسرائيل

أردوغان استطاع بأداء ومسلكيّة نصف مقاوم نصف مساوم وفي سياق الانسحاب العربي من الصراع مع إسرائيل ان يستميل قوى سياسيّة وشرائح من الرأي العام العربي إلى مربّع رفض إسرائيل سياسا وقبولها استراتيجيّا.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/12/21، العدد: 10134، ص(7)]

يمثّل رجب طيب أردوغان ظاهرة سياسية يراد تعميمها على العالم العربي والإسلامي أكثر منها تجربة فرديّة وليدة للبيئة السياسية الثقافية التركيّة.

ينتمي أردوغان إلى مشروع ما بعد مقاومة إسرائيل الهادف إلى التطبيع الشامل والكامل مع تل أبيب ضمن منظومة خطابيّة واستراتيجية اتصالية معادية لإسرائيل وهو ما عمل الرئيس التركي على إقراره خلال الخمس سنوات الأخيرة على الأقل حيث كان الخطاب السياسي يعادي السياسات الإسرائيلية في ما كانت الاستراتيجيا الكبرى والخطوط العريضة تقبل إسرائيل لا كأمر واقع مثلما تروّج له بعض العواصم العربية القابلة ب”التسوية مع إسرائيل” وإنّما كدولة عادية وطبيعية تبرم معها اتفاقيات الغاز وتوقّع معها شراكات السياحة وتبادل الخبرات العسكريّة.

مغادرة النموذج الكلاسيكي لمقاومة إسرائيل قصد الوصول إلى مرحلة التطبيع الكامل مع تل أبيب ,عربيا وإسلاميّا لا يكون إلا بخلق قاطرة سياسيّة تعمل على تحقيق “التطبيع الناعم” لدى قطاعات كبرى من المشهد السياسي والرأي العام العربيين.

ذلك أنّ تحويل الصراع من صراع وجود إلى صراع حدود ينبني أساسا على تغيير التمثّل الثقافي والتاريخي وتبديل المنظومة المعرفيّة واستبدال الأولويات “الوطنية القومية” والأهم من كل ذلك نمذجة جديدة لصورة البطل المقاوم لإسرائيل.

كرّس اردوغان خلال سنوات أزمة أسطول الحرية “مرمرة” نموذجا “معارضا معاضدا” لإسرائيل عبر تركيزه على نقاط كبرى وهي الادعاء بمقاطعة إسرائيل ديبلوماسيا وسياسيا في حين أنّ العلاقات الثنائية لم تنقطع يوما، والزعم بدعم الفصائل المسلحة في فلسطين المحتلة في مقابل عدم تقديم أي دعم عسكري لأي من المجموعات الفلسطينية المقاتلة، والتنديد بالهجمات الإسرائيلية على غزّة في حين أنّ الشركات التموينية التركية كانت تغذي القوات البرية المتوغلة في القطاع، وإعلان تعليق التعاون الثنائي مع إسرائيل فيما كان ولا يزال خطّ “تل أبيب – أنقرة” من أكثر الخطوط الجوية نقلا للمسافرين والسياح.

وكما عملت واشنطن خلال سنوات احتلالها للعراق على خلق “معارضة” قريبة منها تقبل بالاحتلال وتتحفظ على بعض الممارسات قصد تسويق نموذج استباحة الأوطان وإسقاط العواصم، ووظفت تل أبيب جيدا أردوغان للترويج لمثال “التنديد” بإسرائيل دون تقويض لأسس كيانها ولإشاعة “التطبيع الناعم” القائم على معارضة “الهوامش” دون وصول إلى “مركز القضيّة” وجوهر الصراع.

وفي الوقت الذي كان فيه الصراع مع إسرائيل يتحوّل إلى شبه نضال بيانات وتقارير حقوقيّة كان الصراع مع الدول الوطنية وفي الدول القطرية يتقدّم ويستولي على أولويات التفكير والتدبير في الذهن العربيّ مفضيا إلى تغيير استراتيجي تمّ بمقتضاه استبدال بوصلة البندقية من العدو الأساسي الخارجي إلى العدو الافتراضي الداخلي وباتت إسرائيل واحدة من أكثر المستفيدين من حالة “الارتداد” الأخلاقي والسياسي والاستراتيجي والعسكريّ ومن حالة “صناعة النسيان” التي انكبت على تأصيلها قنوات البثّ المباشر من عواصم بعض العرب.

اليوم تنتهي وظيفية أردوغان بسقوط آخر خطوط الدفاع عن المبدئية الخاصة بمقايضة إغلاق ملف شهداء سفينة مرمرة التركية في ماي 2010 باتفاق مع إسرائيل يتم بمقتضاه تغذية تركيا بالغاز الطبيعي المسروق والمغتصب من السواحل الشرقية لفلسطين المحتلة والذي يعود للشعب الفلسطيني “وفق بيان هيئة الإغاثة التركية المنظمة لسفن كسر الحصار عن غزة في 2010”.

استفادت إسرائيل كثيرا من العديد من الشخصيات العربية الإسلامية خلال صراع “المعنى والمبنى والتمثّل” مع التاريخ والجغرافيا والوجدان في المنطقة، استفادت من عصام السرطاوي في منظمة التحرير الفلسطينية ومن أنطوان لحد في لبنان ومن غيرهما في مصر والأردن وسوريا وتونس، ولكنّ كل هؤلاء لم يقدروا على أن يكونوا قادة رأي في أوطانهم ونماذج سياسية في إقليمهم بل على العكس باتوا في وقت لاحق وصمة عار تطبيعية في مسار ومسيرة حركات التحرر.

على العكس من هؤلاء استطاع أردوغان بأداء ومسلكيّة نصف مقاوم نصف مساوم وفي سياق الانسحاب العربي من الصراع مع إسرائيل ان يستميل قوى سياسيّة وشرائح من الرأي العام العربي إلى مربّع رفض إسرائيل سياسا وقبولها استراتيجيّا.

مرة أخرى تذهب أمتنا ضحيّة لعدم اكتشاف المقنّعين بديباجات فلسطين والحرية والمقاومة، مرة أخرى تقتلنا أنصاف المواقف، ويقتلنا “المعارضون المعاضدون”…

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر