الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

اغتيال القنطار: تصدع النفوذ الإيراني وانكشافه

كيف سيتصرف حزب الله بعد هذا الاغتيال، وهل له تبعات ما بعده أم سيكتفي بالاستفادة الإعلامية منه فقط عبر ربط المعارك في سوريا بالصراع مع العدو الإسرائيلي.

العرب علي الأمين [نُشر في 2015/12/22، العدد: 10135، ص(8)]

لقد انتقل سمير القنطار فعلا من لبنان إلى سوريا، لأن المعركة في قناعته وفي رؤية حزب الله الذي ينتمي إليه القنطار، سياسة وعقيدة وتنظيما، تقوم على أن قتال المعارضين للنظام السوري لا ينفصل عن مسار مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.

فقبل أربع سنوات قال سمير القنطار “يظهر جليا أن أغلبية الشعب السوري تدعم بشار الأسد”، وفي سياق رده على تعليقات المعارضين السوريين قال إن “من يحمل السلاح ضد سوريا يجب أن تقطع يده، وأنا مستعد للذهاب إليها لقطع أيادي من يحملون السلاح ضدها”.

وربما أكثر من ذلك استنادا إلى ما قال عضو مجلس خبراء القيادة الإيراني، رجل الدين، عباس كعبي، (خلال مراسم الدفن التي أقيمت في مدينة العميدية في إقليم الأحواز قبل أيام لأحد قتلى الحرس الثوري في سوريا) إن “المشاركة في قتال المعارضة السورية أوجب من قتال الصهاينة في فلسطين”.

لذا ليس انتقاصا (في نظر الممانعة) من قيمة القنطار الذي قضى نتيجة استهداف على ما يبدو من قبل إسرائيل مساء السبت الماضى، أن يُدرج نشاطه الأمني والعسكري داخل سوريا في سياق التحالف مع النظام السوري، دفاعا عنه ودفاعا عن المنظومة التي تقودها إيران في هذا البلد. وليس خافيا أن تكليف القنطار في مهمة تنظيم أطر مقاومة ضمن سوريا، من أجل تحرير الجولان، جاء بسبب تاريخ نضالي لأسره نحو ثلاثة عقود في إسرائيل. فهو أيضا ينتمي تقليديا إلى الطائفة الدرزية التي تشكل العنصر الديمغرافي الأبرز في خارطة الجنوب السوري المتصل بالجولان ذي الغالبية الدرزية أيضا.

حتى منطقة جرمانا حيث قتل القنطار ليل السبت الماضي بقذيفة إسرائيلية، هي منطقة تضم مركز الوجود الدرزي في دمشق وضواحيها. وليس خافيا أن تقدم نفوذ القنطار المنتسب لحزب الله في البيئة الدرزية، وتحديدا في البيئة المؤيدة للنظام السوري ولحزب الله، ترافق مع تراجع دور كان مفترضا أن يلعبه النائب السابق وئام وهاب الموالي للنظام السوري وحزب الله، حيث تمّ بقرار من النظام السوري سحب وهاب، بإغلاق مكاتب تيار التوحيد التي كانت أقيمت بقرار من النظام السوري أيضا.

على أن ما يجب الإشارة إليه أنه بعد التدخل الروسي ونشر صواريخه في سوريا قامت إسرائيل بعدة غارات استهدفت، كما العادة، مخازن صواريخ وذخيرة وتم التكتم عنها بشكل كبير، أولا لعدم إمكانية الرد، وبالتالي ما قد يشكل الكشف عنها من حرج لحزب الله، وثانيا لتفادي الإحراج أمام جمهور الحزب عبر كشف التنسيق الكبير بين الممانع “أبو علي بوتين” والعدو الإسرائيلي، فهل الإعلان الآن وبهذا الوضوح يشكل تحولا في العلاقة بين روسيا وإيران في الميدان السوري؟

لا شك أن القنطار، بدعم من حزب الله والنظام السوري، أغلق الأبواب، بشكل شبه كامل، في وجه كل القيادات الدرزية اللبنانية على تنوعها واختلافها. تلك التي كانت تطمح إلى لعب دور في البيئة الدرزية السورية، في لحظة احتدام الصراع في الجنوب السوري، ومع تنامي المخاوف من أن تكون سيطرة المعارضة السورية على السويداء مدخلا للسيطرة على دمشق. ويأتي الاغتيال ليصبّ في مشروع تصفية النفوذ الإيراني في البيئة الاجتماعية الدرزية، التي يشكل انتشارها الديمغرافي بين دمشق وجنوب سوريا، وصولا إلى الجولان المحتل مجالا لصراع نفوذ بين إسرائيل وإيران، وضمنا بين موسكو وطهران، في سياق تنافس الحلفاء على التحكم بأوراق النظام السوري.

ليس خافيا أيضا أن إسرائيل عمدت في أكثر من مرة إلى محاولة اغتيال القنطار. تردد أنه استهدف بغارة جوية قبل أسابيع ونجا منها، وقيل إنه كان من الممكن أن يكون بين القيادات الإيرانية وقيادات من حزب الله، التي استهدفت بصاروخ إسرائيلي قبل أكثر من عام وأدت إلى سقوط نجل عماد مغنية جهاد وضابط وقياديين في الحرس الثوري وحزب الله. هو موضوع على لائحة الاغتيال الإسرائيلي منذ مدة، ولم يكن اغتياله مفاجئا.

المفاجئ أن النظام السوري أدرج العملية في سياق العمل الإرهابي، ولم يتهم إسرائيل. فيما سمح حزب الله، على ما يبدو، بإطلاق ثلاثة صواريخ كاتيوشا من الجنوب اللبناني باتجاه شمال إسرائيل. الصواريخ لم تستهدف مناطق مأهولة لذا هي على الأرجح تندرج في سياق الردّ المعنوي حتى الآن. والأهم أن الردّ لم ينطلق من الأراضي السورية، بمعنى أن فصائل المقاومة، التي يقودها القنطار في الجنوب السوري، لم تقم بأي رد فعل حتى الآن. وهذا ما يطرح تساؤلات حول إمكانية حصول نشاط عسكري ضد إسرائيل من داخل الأراضي السورية. التساؤل حول هذه الإمكانية يفرضها الوجود الروسي في هذا البلد.

ويبرز سؤال ما هو الدور الميداني الذي كان يلعبه القنطار، وما سبب وجوده في جرمايا إذا كانت، كما يقال، وظيفته هي حصرا في الجولان كما يروج إعلام الممانعة؟ مع العلم أنه معروف عن حزب الله عدم وثوقه الكامل بالقنطار خلافا لما يروجه حزب الله أنه قائد حزب الله السوري، وهو الذي أمضى ثلاثين عاما في السجون الإسرائيلية وكانت له هناك حياة شبه طبيعية من زواج وتعلّم وغيرهما، وهذا حتما يثير الكثير من علامات الاستفهام حول طبيعة دوره، ولهذا كان يعتبر القنطار محل تشكيك عند الأجهزة العسكرية للحزب خلافا لما يشاع بالإعلام.

روسيا وإسرائيل متفقتان على أن مترتبات الأمن الإسرائيلي في سوريا مسؤولية إسرائيلية. وهذا ما أثبتته الوقائع الميدانية منذ التدخل الروسي الأخير في سوريا. إذ شهدت الأراضي السورية عمليات إسرائيلية عبر الجو استهدفت مواقع لحزب الله في ضواحي دمشق ومنطقة القلمون السورية. ويأتي اغتيال القنطار ليثبت قواعد الاشتباك الإسرائيلية في سوريا برضى روسي. قواعد ترى في الجولان “أمنا قوميا إسرائيليا” لا مكان فيه لمغامرات القنطار ونفوذ حزب الله. من هنا يأتي اغتيال القنطار في سياق تثبيت ما تعتبره إسرائيل حقا في الدفاع عن أمنها في الداخل السوري، بغطاء حليف إيران في سوريا أي روسيا.

وفي ظل التغيرات الإقليمية غداة صدور قرار مجلس الأمن بشأن المرحلة الانتقالية في سوريا، ومع ترحيب إيران بالوجهة الدولية في محاربة الإرهاب، ومع التناغم الأميركي مع الموقفيْن الروسي والإيراني في مواجهة تركيا، كل ذلك يدفع السياسة الإيرانية إلى عدم الذهاب بعيدا في التصدي للضربات الإسرائيلية الدموية. الأولوية الإيرانية اليوم لمواجهة الإرهاب والحلف الإسلامي الذي شكلته السعودية ضد الإرهاب. اشتعال المواجهة مع إسرائيل كفيل بتدمير ما بنته إيران مع أميركا في لحظات. وإيران ليست في وارد الانزلاق نحو مواجهة لا أفق لمكسب فيها بل خسائر فقط.

يبقى السؤال الأكبر كيف سيتصرف حزب الله بعد هذا الاغتيال؟ وهل له تبعات ما بعده أم سيكتفي بالاستفادة الإعلامية منه فقط عبر ربط المعارك في سوريا بالصراع مع العدو الإسرائيلي لإضفاء المزيد من الشرعية عليها فقط، فيكون الردّ هنا أيضا كالرد على اغتيال عماد مغنية؟

كاتب لبناني

علي الأمين

:: مقالات أخرى لـ علي الأمين

علي الأمين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر