الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجلافة في التطور

اللياقة في الحديث وفي التعبير راحت تضمحل في القرن الحادي والعشرين بسبب التطور في وسائل الاتصال.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/12/22، العدد: 10135، ص(24)]

الإنسان عندما لا يكون مرئيا يصبح كائنا مخيفا. الذي لا تراه قد يشتمك ويؤذيك. نفس الشخص المهذب الذي لا يتكلم بما لا يليق وعندما تكونان في موضع واحد من السير يصر على أن تمضي أنت قبله، هو ذاته يصير وحشا عديم الأخلاق عندما لا تراه ولا يراك.

قد تقول إن هذه الظاهرة لا أهمية لها. لكنها مهمة جدا في عالمنا هذا. عالم يلتقي فيه البشر ويتواصلون دون أن يرى أحدهم الآخر في وسائل الاتصال الجديدة من فيسبوك إلى واتساب مرورا بفايبر وسكايب وصولا إلى الرسائل النصية، تنعقد صداقات وعداوات يميزها ميل إلى جلافة الألفاظ وخشونتها.

في البداية كان التلفون. أذكر أول مرة استخدمت التلفون في حياتي وكنت حينها في الخامسة. كان التلفون له هيبة وله مقر دائم على رف مغطى بفرشة من الدانتيل وموضوع بحيث لا تطاله أيادي الصغار. أيامها كان لكل شيء هيبة وفرشة: الراديو والتلفزيون مغطيان بفرشة مطرزة بالورود وفي حافاتها شريط من الدانتيل. استخدمته واقفا على كرسي. سمعت صوتا مألوفا يحييني فشتمته. هكذا، بكل وقاحة. كنت في الخامسة وأدركت للتو أن الذي يحييني لا يراني فانطلق الشر من عقاله وشتمته. كان قاموس شتائمي محدودا جدا لكني فعلتها لأنه لا يراني ولا أنا أراه. غريزة.

اليوم، نتعامل معظم يومنا مع من لا يرانا وليس حاضرا متجسدا أمامنا. نرى بشرا كل حين وآخر رؤية طبيعية وبالعين المجردة وهم على مقربة، فنتأدب ونحتشم. لكن علاقاتنا في التخاطب تكاد تكون محصورة على من لا نرى.

أصدَق الإحصائيات واستطلاعات الرأي هي تلك التي تجرى عبر الإنترنت. هناك قانون طبيعي يجعل الذي تستوقفه في الشارع وتسأله رأيه يتأدب ويعبر عن مشاعر تندرج في إطار التيار العام المقبول. الإنسان الذي يراك وتراه مجامل ولطيف. كانت العادة في استطلاعات الرأي أن يقف صاحب السؤال على قارعة الطريق ويستوقف المارة أو يجوب الشوارع ويطرق أبواب البيوت فتجيبه الناس بما هو لائق. اليوم هناك هوة ظهرت وآخذة بالاتساع بين الاستطلاع عبر الإنترنت والاستطلاع التقليدي.

قبل شهور كان هناك استطلاع رأي أجري عبر الإنترنت أظهر أن ثمانين في المئة من البريطانيين يتطيّرون من رؤية الملتحي ذي الجلباب القصير ويتصورون أنه يريد بهم شرا. لا يعبّرون عن خوفهم من الملتحي لكنه خوف أو توتر قائم. والـ80 في المئة رقم مخيف لكني أراه صحيحا وأصدق في التعبير عن المكنون. يتبادل الناس التحيات مع الملتحي ويبتسمون لكن القلق قار في قلوبهم ويكتمونه. فالمكنون لا يقال وجها لوجه لكنه يقال عبر الإنترنت وانعدام الرؤية.

أعتقد أن الكياسة موجودة منذ عصور ما قبل التاريخ ومنذ سكن الإنسان الكهوف على شكل مجموعات. لكن اللياقة في الحديث وفي التعبير راحت تضمحل في القرن الحادي والعشرين بسبب التطور في وسائل الاتصال. كل هذا يعني أن التطور يقودنا إلى ما قبل عصر الكهوف. مرحى مرحى.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر