الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

كلام له قعقعة

الإعجاب بدعوات القتل والشر يجعلنا نتوسم البلاغة والجمال. أحاول أن أتذكر خطبة ليس فيها شر أو ترويع أو على الأقل شتيمة للمستمع ولا أستطيع أن أتذكر. لم نحفظ كلاما جميلا وإنسانيا.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/12/29، العدد: 10140، ص(24)]

في مطلع هذا الشهر انشغل الناس بمناظرة برلمانية بريطانية حول التدخل لضرب داعش في سوريا. وكما هو معروف الآن انتهت المداولات بغلبة أنصار التدخل. سهرت ليلتها أسمع المتحاججين وسرى في ذهني خاطر غريب. كانت المناظرة حول الحرب أو اللاحرب. وخيل إلي أن دعاة الحرب ما كانوا حريصين على القصف بمقدار حرصهم على البلاغة.

الدعوة إلى الحرب دائما أبلغ من الانتصار للسلام والتفاوض. مفردات القتال جميلة وأخاذة ومفردات السلم والحوار خابية وفاترة. من تكلم داعيا إلى القتال كان أبلغ وأعظم تأثيرا، وعضو البرلمان يحب أن يكون بليغا ومؤثرا. أعتقد أن هذا هو السبب الحقيقي لتبني الحرب. باختصار الكل يريد أن يكون بليغا والبلاغة لا تتأتى إلا بالدعوة إلى الشر.

كل مقولات تشرتشل التي شاعت وذاعت كانت في اتجاه الدعوة إلى القتال والقصف. خطابه الذي يقول فيه “سنقاتلهم على السواحل وسنقاتلهم في البحار” …إلخ ما كان سيحفظه التاريخ لو أنه كان “سنحاورهم على السواحل وسنحاورهم في البحار”، الدعوة إلى التحاور سخيفة في الخطابة.

تاريخنا مليء بخطب مزلزلة لا نزال نتأمل في بلاغتها لأنها شريرة. تصوروا لو أن الحجاج الذي نذوب في بلاغته حين قال “إني أرى الرؤوس قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها”، لو أنه عوضا عن ذلك قال “إني أرى الرؤوس جميلة وحان وقت احتضانها والتربيت عليها” لما نال خطابه إعجاب أحد ولما صنّف بليغا مؤثرا. الشر في كلامه هو مصدر إعجابنا الحقيقي وأساس تصورنا لجمال كلامه. لو قال إنه محب للرؤوس ويود تقبيل الجباه لصار الحجاج تافها وقبّح الله من يأبه له.

الصليل والقعقعة كلمتان تملآن الفم وتثير الإعجاب في حين أن كلمات مثل الهمس والرفيف نراها تافهة. الإعجاب بدعوات القتل والشر يجعلنا نتوسم البلاغة والجمال. أحاول أن أتذكر خطبة ليس فيها شر أو ترويع أو على الأقل شتيمة للمستمع ولا أستطيع أن أتذكر. لم نحفظ كلاما جميلا وإنسانيا.

تحضرني الآن خطبة أخرى كلها شر، هي خطبة زياد بن أبيه التي بلغ أعجابنا بها إلى حد أننا وضعنا لها اسما، اسمها الخطبة البتراء، وهي كلام موغل في السوء وحب الأذى والدعوة إليه. الخطبة تقوم على فكرة معاقبة البريء بذنب المجرم وعندما اعترض أحد المستمعين قال له زياد “إنا لا نبلغ ما نريد فيكم حتى نخوض إليكم الباطل خوضا”. هذه جملة شريرة تماما يمليها وجدان فاسد، لكننا نحفظها ونتأمل في بلاغتها ونهيم بجمالها. ولو أن زيادا قال “إنا لكي نتواصل معكم مستعدون للحوار وإن خضنا البحار لنصل إليكم” لكانت الخطبة طي النسيان.

انتهت جلسة البرلمان البريطاني بقرار شن الهجمات. وامتلأت صحف اليوم التالي بمقتطفات من خطابات دعاة شن الغارات وكلها بليغة وفيها كلام له قعقعة وزمجرة. وهذا يدعو إلى التأمل والتدبر وإثارة سؤال: كم من الحروب سببها طلب البلاغة؟

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر