الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

المذيع يطلب السكوت

إذا مطلوب من الطرف الآخر السكوت نهائيا وإلا… ومن ساعتها والجمهور في حيص بيص لمن ينتصر؛ لهذا أو لذاك.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/12/29، العدد: 10140، ص(18)]

شاشات عربية تتكاثر ويتكاثر معها مذيعون بمستويات مهنية شتى، وخلال ذلك هنالك فئة من المذيعين الذين صارت الشاشات توفر لهم الفرصة كاملة لقول ما يشاؤون كما يبدو، حتى تصبح تلك المساحة الزمنية من البث ملكا للمذيع يتصرف فيها كيف شاء، هكذا تشعر به وهو يقول ما يشاء وأحيانا من دون النظر في أوراق السكريبت المقرّر سلفا.

لكن ماذا لو وجد مذيعان من نفس الفصيلة نفسيهما في مواجهة، أن يختلفا في وجهتي النظر حول قضية معنية تشغل الرأي العام؟

بالطبع ليس هنالك من معنى أصلا لجعل هذا الاختلاف موضوعا يعرض على الشاشات ويستنفذ وقتا من الجمهور، ذلك ما تخبرنا به الأسس المهنية للإعلام التي هي ليست من اختراعاتنا في العالم العربي بكل تأكيد ولكنها مما تعارفت عليه المدارس الإعلامية وتحول إلى تقاليد عمل لوسائل إعلام مهنية رصينة لكن القصة ستختلف ساعة أن يمتلك المذيع ناصية التصرف بالمهنية والعُرف وما إلى ذلك فيصول ويجول ما طاب له ذلك.

لكن حالة مذيع من هذا النوع ستذكّرك بما سمعناه من قبل حول مسألة “الخروج على النص” التي يتعمدها نجم معروف مثل عادل إمام وهو في مواجهة جمهوره من أجل المزيد من المشاهد الهزلية، وهاهو المذيع يفعل الأمر نفسه فيخرج على النص وينتصر لنفسه كما يجب أن يفعل بل يقولها صراحة أنه سيقول ما يقول ولو كلّفه ذلك الجلوس في بيته مطرودا من وظيفته.

هكذا بكل بساطة يقولها أحد المذيعين على شاشة إحدى الفضائيات متناسيا أنه يتحدث إلى جمهور بالآلاف وإذا به يتحول إلى مشهد شكسبيري يكون فيه في مواجهة خصم لدود، مذيع مثله، وعليه أن يلقنه درسا ويختصر السجال في الأخير بكلمة واحدة سيكررها مثل لازمة وهي كلمة “إخرس”.

إذا مطلوب من الطرف الآخر السكوت نهائيا وإلا… ومن ساعتها والجمهور في حيص بيص لمن ينتصر؛ لهذا أو لذاك. ووسط تلك الفوضى ستضيع تلك المقدمات المتعلقة بالمهنية في العمل الإعلامي والرصانة والموضوعية وستغدو ضربا من الكماليات والمصطلحات المفرغة من معانيها. فالوقت وقت صراع وسجال فضائي على الهواء

بين المذيعين اللذين سيقسمان الجمهور إلى مع وضد وما بين ذلك سيغرق المشاهد أكثر وأكثر في دوامة الشاشات التي صارت تضخ نمطا غرائبيا فريدا قوامه صراعات المذيعين في ما بينهم وصولا إلى الانفراد بالشاشة وتحويلها إلى حلبة صراع.

إذاً هو تطور جديد في الأداء الإعلامي العربي يشغل المشاهد عن همومه ومشكلاته وعن داعش والإسلام السياسي وتضليل الرأي العام إلى متابعة ذلك النوع المبتكر من الصراع بين المذيعين وكل واحد منهما يطلب من الآخر أن يسكت، متناسين أن أداة المذيع من هذه الفصيلة من البرامج هي الكلام ولا شيء غير الكلام في شبه مونودراما تستغرق يوميا ساعة أو أكثر فما الذي سيبقى من ذلك العرض اليومي إذا سكت المذيع؟

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر