الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

إبراهيم العساف وسياسة التقشف الجديدة في دولة من أثرى دول العالم

العساف يمسك بملف حساس وهام في بلد من عمالقة العالم اقتصاديا وهو الرجل الأكثر تلقيا للملامة والذي لا يمتدحه أحد في أوقات الرخاء.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/01/03، العدد: 10143، ص(7)]

وزير مالية عاصر الملوك وصمد أمام عواصف اقتصادية كبرى

برلين - في نهاية التسعينات من القرن الماضي كانت المديونية العامة للسعودية قد بلغت أعلى مستوياتها عند نسبة 119 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، لكنها اليوم عند النسبة 1.6 بالمئة فقط مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي. أما احتياطات السعودية النقدية فتتجاوز الـ650 مليار دولار. لكنّ عاملين يبدوان للمحللين أنهما يؤثران وبقوة على الاقتصاد السعودي؛ انخفاض أسعار النفط، والحرب في اليمن. غير أن السعودية صاحبة الاقتصاد الأكبر عربياً، اعتادت على إدارة التقلبات في الاقتصاد العالمي والأزمات المختلفة التي تعصف به، دون أن تظهر كثير تأثر. محافظة على توازن فريد تمكن من المشي بأمان بين الألغام.

أسعار النفط تهوي متسارعة إلى ما تحت الأربعين دولاراً ويتوقع أن تصل قريباً إلى رقم العشرين دولاراً مخلفةً مأزقاً حقيقياً للدول التي بنت ميزانياتها على أساس المئة دولار بداية العام الماضي. لكن السعودية التي يصل إنتاجها، وهو الأكبر في العالم، إلى 9.5 مليون برميل يومياً، تواصل التكيف مع الوضع، ولو أثر هذا على ميزانيتها للعام 2016 التي شهدت بعض التغييرات.

ولم تكد تنتهي السنة المالية 2015 حتى صدر تقرير الفورين بوليسي الذي استبعد تأثر السعودية، كما يتوقع كثيرون، بما يدور في العالم من ذعر بسبب هبوط أسعار النفط، تقول الفورين بوليسي “الاقتصاد السعودي اليوم في أفضل أحواله منذ عقود، فهو لم يعد يعتمد على الخارج كما كان الحال في السابق، وتحديداً خلال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي عندما تأثر الاقتصاد السعودي بصورة كبيرة وملموسة مع هبوط أسعار النفط، والتي نزلت عن العشرة دولارات للبرميل في العام 1998″.

وترى الفورين بوليسي أنه على الرغم من ارتفاع الإنفاق الحكومي العام في السعودية بدءاً من العام 2000 وما بعده فإن “السعودية تمكنت من الاستفادة من سنوات الطفرة النفطية بتوفير احتياطات نقدية ضخمة، وهي الاحتياطات التي وصلت إلى مستوى 100 بالمئة مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي في العام 2014″.

إبان عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين كانت أسعار النفط قد شهدت هبوطا حاداً، ليس بعيداً عن الهبوط الحالي الذي تشهده الأسعار، غير أن السعودية كانت في ذلك الوقت تسجل احتياطيات نقدية في أفضل أحوالها بنسبة 35 بالمئة إلى ناتجها المحلي، بينما وصلت هذه النسبة إلى 100 بالمئة في العام 2014 وهو عام الهبوط الحاد.

صندوق النقد الدولي كان قد توقّع أن تواجه الموازنة السعودية عجزاً يقارب 20 بالمئة خلال العام 2015 إلا أن السعودية وخلال الأعوام 1983 وحتى 1991 كان متوسط العجز في موازنتها 52 بالمئة، ليسجل أعلى مستوى له في العام 1991 عند 77 بالمئة.

وأظهرت بيانات رسمية أن صافي احتياطات النقد الأجنبية لمؤسسة النقد العربي السعودي انخفض على أساس سنوي بنسبة 9.4 بالمئة عما كان عليه في صيف العام 2014. وتحتفظ السعودية باحتياطي مالي ضخم معظمه أوراق مالية أجنبية مثل سندات الخزانة الأميركية، وبلغت قيمة هذه الأوراق إجمالا 483.3 مليار دولار منتصف العام الماضي 2015، ووصلت الودائع لدى مصارف في الخارج إجمالا إلى 119.7 مليار دولار.

الفورين بوليسي تنظر إلى الاقتصاد السعودي على أنه اقتصاد يدار بصورة استباقية تتجنب الوقوع في المشكلات، وهو ما يصفه العساف بـ"اقتصاد الواقعية"

الوزير الواقعي

يصب هذا كلّه، في حقيبة الدكتور إبراهيم العساف وزير المالية السعودي الذي يكمل عامه الثاني والعشرين في منصبه، والذي قال بعد صدور الموازنة المالية للعام الجديد 2016 إن إعداد تلك الموازنة كان قد اتخذ “النهج الواقعي لتطورات الاقتصاد العالمي، كنا واقعيين عندما بلغ معدل سعر النفط 95 دولارا للبرميل، لكن الأمور اختلفت بشكل كبير”.

واقعية العساف، كانت قد أوقعته في الماضي في مرمى نيران المنتقدين في الشارع السعودي، فهو الرجل الأكثر تلقياً للملامة حين تتخذ المملكة إجراءات تقشفية، وهو الرجل الذي لا يمتدحه أحدٌ في أوقات الرخاء.

العساف القادم من منطقة عيون الجواء في نجد، وهي التي قال عنها فارس بني عبس “يا دار عبلة بالجواء تكلمي/ وعمي مساءً دار عبلة واسلمي”، كان قد ولد في العام 1949، ودرس الاقتصاد في جامعة الملك سعود في الرياض متخرجاً في بداية السبعينات، وهو من الجيل الأول الذي استفاد من البعثات إلى الخارج، فأكمل دراسته في الولايات المتحدة في جامعة دنفر بكولورادو وصولاً إلى الدكتوراه في مسألة الأثر الاقتصادي للعمالة الأجنبية في السعودية.

ومنذ عودته إلى بلاده بداية الثمانينات، بدا العساف منشغلاً في التدريس النظري للاقتصاد من جهة، وفي العمل التطبيقي من جهة أخرى. فحاضر في كلية الملك عبدالعزيز الحربية وفي كلية القيادة والأركان، وشغل مناصب عدة في الصندوق السعودي للتنمية وصندوق النقد الدولي، حتى وصل إلى الإدارة التنفيذية في صندوق النقد ممثلاً لبلاده. وعميداً لمجلس إدارة مجموعة البنك الدولي. ليتم تكليفه بحقيبة المالية والاقتصاد الوطني في العام 1995.

يمسك العساف بملفّ حساس وهام في بلد يعدّ من عمالقة العالم اقتصادياً، ويبدو أنه يديره بالحكمة اللازمة لرجال الدولة الذين يتمكنون من اتخاذ القرار في الوقت المناسب وبالصورة الملائمة، بغض النظر عمّا قد ينعكس جراء ذلك على شعبيتهم، يقول العساف بعد صدور الموازنة الأخيرة إن “المملكة استطاعت ضبط النفقات في الربع الأخير من ميزانية العام الحالي (الماضي 2015) بشكل لافت، على الرغم من المستجدات التي وصفها بأنها كانت أكبر من مبلغ الـ115 مليار ريال التي شكلت الزيادة في الإنفاق الفعلي عما هو مقدر أساسا في بداية العام”. وأظهرت الميزانية الفعلية للسعودية في العام 2015 عن نفقات فعلية بنحو 975 مليار ريال بزيادة بقيمة 115 مليار ريال عن النفقات التقديرية في بداية العام عند 860 مليار ريال.

قد لا يتخيّل من لا يعرف المجتمع السعودي، شكل تعامل المواطنين مع المال والإنفاق والقدرة على التكيف، وكثيراً ما يتسرع الناس بوصف المجتمعات العربية في الخليج بالاستهلاكية، دون النظر إلى براعة تلك المجتمعات في معالجة ظروفها كل مرة. فالسعوديون يحملون عقولاً تجارية بالفطرة، بفضل الظروف الصعبة التي عاشتها أجيالهم سابقاً في مناخ الصحراء، التي تحرم البدوي حتى من الرعي في بيئة قحط. مكنتهم تلك المهارات من تصور الأسوأ والتعايش معه، وتخيل الأفضل والطموح إليه.

وفي الوقت الذي تعلو تخوفات من تقديرات صندوق النقد الدولي من تراجع معدل نمو الناتج حتى العام 2016، بعد معدل نمو وصل إلى 3.5 بالمئة في العام 2014، توقع الصندوق أن يتراجع العام 2015 إلى 2.8 بالمئة، ثم إلى 2.4 بالمئة في العام الجديد. إلا أن الحديث ما زال عن معدل نمو، وليس تراجعاً إلى ما تحت الصفر. يبين العساف أن إجراءات الحكومة نجحت في ضبط الإنفاق العام إلى الحد من التعيين والانتدابات في دوائر الدولة، بجانب التركيز على تحقيق الهدف بأن “لا تتجاوز حصة الربع الأخير من الميزانية 25 بالمئة من النفقات، في حين كان هذا الربع سابقا يستحوذ على أكثر من 30 بالمئة من الإنفاق”.

ويكشف وزير المالية المخضرم عن تخصيص مبلغ 183 مليار ريال “وضعت جانبا تحسّبا لأيّ تطورات سلبية في الإيرادات ومن أجل إعطاء مرونة للحكومة لتطبيق برنامج التحول”، مؤكدا أن “أغلب أموال هذا المخصص الجديد جاءت من الباب الرابع في الميزانية، أي من المشاريع التي كانت اعتمدت في الماضي ولم يصرف عليها، وكذلك من المشاريع الجديدة التي اعتمدت لها سيولة”. موضحاً أن هذا المخصص “لا يعني أنه سيصرف منه بشكل محدد إلا أنه سينظر له وفق التطورات”.

العساف يطمح إلى التحرر من اتكال الاقتصاد السعودي على البترول مبشرا بـ"توازن في الإدارة"

ضرائب وزيادة في المحروقات

مع الإعلان عن اقتراب فرض ضريبة القيمة المضافة، والتي كشف العساف أنه سيجري تدريجياً خلال عامين من الآن، يطبّق بشكل كامل في العام 2018، يأتي منسجماً مع قرار خليجي بتطبيق تلك الضريبة، كما قال وزير المالية الإماراتي يونس خوري من قبل. ليطبق رفع أسعار المحروقات، عاكساً تلك الواقعية التي لطالما عبّر عنها العساف، فالنفط الذي تبيعه السعودية بما يقارب العشرة ملايين برميل يومياً، يشهد انهياراً هائلاً في الأسعار، ولا شك أن التعامل بواقعية سيجبر بائع النفط على بيعه بسعر أعلى بعد معالجته وتكريره في الداخل، كما عبّر عضو مجلس الشورى السعودي فهد بن جمعة الذي طالب برفع سعر البنزين إلى أكثر من 90 هللة كما تم الإعلان عنه، ليتوافق مع الأسعار العالمية.

صكوك العساف

لطالما أغرت فكرة الصكوك المالية قيادات المال والاقتصاد في الدول العربية، لا سيما تلك التي تعتمد اقتصاد السوق الحرة منها، وبدت تلك الخطوة المنتظرة على الدوام، ورقة جوكر في الجيب، أعطى أصحاب القرار لأنفسهم حرية طرحها وقتما تفرض الحاجة والظروف المختلفة. وهي في النهاية تشارك بين المجتمع والدولة في قيادة سفينة الاقتصاد، سيرغب المواطنون في الكسب من خلالها، وستجد الدولة متنفساً من أعباء كثيرة إن هي سلمت جزءاً من مسؤولياتها لمواطنيها، على مبدأ المنفعة المتبادلة والإدارة التعاونية.

واليوم إذ يعلن العساف، أن موازنة العام 2016 التي أقرتها السعودية، اهتمت بتحديد أولويات للإنفاق، بشكل لا يؤثر في الخدمات الأساسية، وأخذت في عين الاعتبار أن يكون التأثير محدودا في المشاريع والإنفاق الاستثماري، مشيراً إلى المصطلحين الجديدين اللذين وردا في ميزانية هذا العام وهما “رفع كفاءة الإنفاق” و”رفع تحصيل الإيرادات”.

يقول العساف “في ما يتعلق بالإيرادات، هناك جهود بدأت منذ فترة لتحسين التحصيل، بما في ذلك استخدام التقنية الحديثة، الحكومية، وبالذات وزارة المالية، حيث تبنينا تطبيق برامج آلية السداد، وكذلك (سريع) و(يسر) ونظام المشتريات، كل هذه برامج سوف تدعم التحصيل بشكل أكبر”، ويبين العساف “أن هناك جهودا لمصلحة الزكاة والدخل في هذا المجال، يضاف إلى ذلك حث الجهات الحكومية ومراقبتها لإيداع الإيرادات التي تحصّلها في الحسابات المخصصة لهذا الشأن، كل ذلك يرفع من كفاءة تحصيل الإيرادات”.

أما عن الآلية المتّبعة لسد العجز المعلن في ميزانية 2015 وموازنة 2016، فقد كشف العساف أن المملكة ستلجأ إلى إصدار سندات دولية والاستفادة من ثقلها وحجمها على الصعيد العالمي، متوقعا أن تكون هناك “إصدارات دولية في العام 2016 ومحلية أيضا”. ويبين العساف أن الهدف من تنويع آليات سد العجز، رغم أن المصارف المحلية لديها السيولة الكافية، هو عدم الرغبة في التأثير في قدرة القطاع المصرفي على إقراض القطاع الخاص.

يقول الوزير “لا نريد أن نزاحم القطاع الخاص في هذا الشأن. وبالتالي لدينا وسائل أخرى بما في ذلك الاقتراض من الخارج وكذلك استهداف مدخرات معينة قد لا تكون حتى متوافرة للقطاع الخاص، مثل إصدار الصكوك المحلية، أنا أعتقد أن عددا كبيرا من المواطنين يرغبون في شراء الصكوك الحكومية”.

وكان للسعودية سابق عهد مع تجربة الصكوك، ففي يوليو من العام الماضي استأنفت الدولة إصدار سندات بالعملة المحلية للمصارف للمرة الأولى منذ العام 2007 بهدف تغطية العجز في الموازنة والناجم عن هبوط أسعار النفط. وباعت السعودية سندات بقيمة 115 مليار ريال (30.7 مليار دولار).

العساف الذي يتولى حقيبة المالية والاقتصاد الوطني منذ أكثر من عشرين عاما، يطرح في موازنة هذا العام مصطلحين جديدين هما "رفع كفاءة الإنفاق" و"رفع تحصيل الإيرادات". متوقعا مستقبلا مميزا لتهيئة الدولة للاستثمارات خلال السنوات العشر المقبلة

الحاضر والمستقبل وإدارة العجز

يؤكد أستاذ الاقتصاد العساف أن حكومة بلاده كان لها الخيار في أن تستثمر بالحاضر للمستقبل، أو أن توفر الفائض كاحتياطي نقدي للبلاد، مؤكدا أنها اختارت أواسط الأمور حيث قامت بتخفيض الدين العام واستثمرت بشكل كبير في مختلف المشاريع وحافظت على وجود احتياطيات نقدية جيدة. ويشدّد على توجه قديم في السعودية يرنو إلى التحرر من الاعتماد الكلي على البترول بالقول “إننا نعمل على أن يكون هناك توازن في الإدارة ولا يكون الاعتماد منصباً كليا على البترول”.

اتجه العساف نحو إنشاء إدارة للدين العام في وزارة المالية بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي، حيث ستتم الاستعانة بالخبرات الدولية في هذا المجال. ولكن العساف يشدّد عادة على أن نظام المشتريات في السعودية لا يختلف عن أنظمة المشتريات في الدول المتقدمة، ولا يهدف إلى اختيار أقل الأسعار المقدمة دون أن يكون مؤهلا ومناسبا، كاشفاً أن هناك بعض المقترحات المقدمة من وزارة المالية لتعديل النظام. ويتوقّع العساف مستقبلا لتهيئة الدولة للاستثمارات خلال السنوات العشر المقبلة. مؤكداً على أن السعودية عملت على تهيئة الفرص الاستثمارية، ومنها فتح المجال لقطاع التجزئة وللشركات العالمية لدعم النمو الاقتصادي.

لا شك أن رجلاً بثقل وخبرة العساف، تحتاج الدولة إلى رؤيته في الإدارة والتعامل مع الملفات وفرق العمل في ظل المتغيّرات العالمية، بفضل قراءته لخارطة الدولة محلياً، وضرورات المجتمع الاستهلاكية من جهة، والتزام الحكومة بإدارة الحاضر للوصول إلى المستقبل الآمن دون مفاجآت.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر