الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

مدرسة العنف المتنقلة

في علم نفس الجريمة هناك قراءة تتعلق بما يعرف بنمط التعوّد على قبول الجريمة كمعطى اجتماعي وأنه أمر يجري التسامح والتعاطي معه، وهو ما يحصل من خلال شبكات التواصل الاجتماعي.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/01/05، العدد: 10145، ص(18)]

لم يكن فضاء وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة سوى فضاء للتحاور بين الأصدقاء وأيضا للتعارف وإقامة المناسبات الاجتماعية والثقافية وتبادل المعلومات النافعة، ذلك كان الشكل العام الذي ولدت من أجله تلك الشبكات التواصلية، لكن يوما بعد يوم صار استسهال استخدام تلك الشبكات عبر اللجوء إلى أسماء مستعارة وأشكال شتى من الأقنعة، دافعا ومشجّعا للتسلل إلى قلب تلك الشبكات وبث العنف والكراهية والتحريض والتطرف من خلالها.

الشرطة الأوروبية مثلا صار يقلقها جدا العنف والدعوة إليه التي صارت تتفشى وتتفاقم عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون وجود أدوات أو وسائل قادرة على الحد من هذه الظاهرة وتطويقها. تقارير عديدة من سلطات بلدان شتى في أوروبا وأميركا اللاتينية مثلا تشير إلى دور ما لوسائل التواصل الاجتماعي في جرائم وقعت في العديد من البلدان كتتبع شخص ما أو التحريض عليه، فضلا عن استخدام تلك الشبكات في التجارة غير المشروعة كالمخدرات مثلا.

كل هذا دفع قدما إلى تعزيز فصيل من أجهزة الأمن في العديد من البلدان وهو أمن المعلومات وأمن الإنترنت لغرض تتبع الأنشطة الإجرامية والعنفية عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

أما على صعيد العالم العربي فحدّث ولا حرج، فشبكات التواصل الاجتماعي كانت وما تزال تعجّ بكم هائل من الصور البشعة والمروّعة لجثث مقطوعة الرأس ولعمليات تعذيب بشعة تقشعر لها الأبدان، وكان على رأس ذلك الانحطاط الذي تسرّب إلى شبكات التواصل الاجتماعي من ممارسات لعصابات داعش الإجرامية خلال العامين الماضيين على وجه التحديد.

لقد تسببت جرعات العنف والقتل الذي يمارسه التنظيم في ارتفاع وتيرة تعبير الآخرين المنخرطين في تلك الشبكات عن ذلك العنف والقتل الوحشي، وصارت عملية إعادة نشر الصور البشعة والمحظورة عقليا ومنطقيا وقانونيا، أمرا معتادا يمر أمام أنظار فتيان ومراهقين فيغرس في وعيهم ولا وعيهم ذلك التعاطي السهل مع أبشع أشكال الجرائم والإبادة.

وفي علم نفس الجريمة هناك قراءة تتعلق بما يعرف بنمط التعوّد على قبول الجريمة كمعطى اجتماعي وأنه أمر يجري التسامح والتعاطي معه، وهو ما يحصل من خلال شبكات التواصل الاجتماعي على أن إعادة نشر صور الترويع والقتل والعنف والتعذيب هو أمر معتاد لا يثير حفيظة أحد وقلة هم أولئك الذين يخاطبون إدارات شبكات التواصل الاجتماعي لمنع نشر تلك الصور.

وفي ظل وضع كهذا ستسمع إفادات لمجرمين تم تجنيدهم للإرهاب بأنهم كانوا منغمسين في مشاهدة أبشع جرائم تنظيم داعش وأشباهها من قطع للرؤوس وإعدامات وترويع وتعذيب وبذلك استسهلوا تلك العمليات التي وفرت لهم استعدادا نفسيا بمقابل تعاطيها مع حالة الانخراط في التنظيم الإرهابي وبذلك وجد أولئك الإرهابيون شبه مدرسة متيسرة متنقلة للعنف والجريمة يتداولونها ويتعلّمون منها فنون الإجرام.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر