الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

خرافة الكهوف

إنسان عصر الكهوف كان يتنقل برشاقة ولا يأكل إلا منتجات عضوية خالية من كل المواد الحافظة وأصباغ الطعام والمسرطنات والمبيدات.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/01/05، العدد: 10145، ص(24)]

الطوارئ حالة استثنائية، وكذلك الأزمات. وهي أحوال ان استمرت دهرا لن تكون أزمات ولا طوارئ، لأنها لن تعود كذلك. يعني أن أهم ما يميز العيد هو أنه استثناء. العيد الذي يبلغ طوله ستة أشهر وما فوق لن يكون عيدا، لن يتزاور فيه الناس ولن يبتسموا لمقبله ولن يبتهجوا فيه. جمال العيد في أنه ليس دائما، يأتي ويروح وننتظره.

أذكر أني كنت يوما في عاصمة عربية وأمر يوميا ببناية كبيرة مكتوب عليها “لجنة الطوارئ الدائمة”. فهمت ما يعنون لكن اللافتة تظل مستهجنة. هم يعنون اللجنة الدائمة للطوارئ لكنهم استسهلوا الإضافة بدل وضع حرف الجر.

ولفت نظري أيضا في كل المدن التي زرتها في حياتي أن هناك أزمة سكن. الناس لا تجد بيوتا تعيش فيها إلا بمشقة، وهذا وضع قائم منذ دهور. رحت أحاول أن أخمن منذ متى بدأت الأزمة لأثبت أنها ليست أزمة، فهي واقع عمره عقود وربما قرون.

أعتقد أن أزمة السكن موجودة منذ أن قرر الإنسان أن يعيش في مكان ذي جدران وسقف. وهي بهذا ليست أزمة وقد رُفعت عنها الاستثنائية. الواقع يقول ليست هناك بيوت تكفي لإسكان البشر، ولم يكن هناك ما يكفي أبدا وفي كل العصور. قرر الإنسان أن يستقر وأن يكون له سكن دائم وعنده عنوان في العصر الحجري القديم. ولم يكن يبني مسكنه بل اختار طريق البيوت الجاهزة. ولم يكن هناك سوى خيار واحد: الكهف. والكهف هذا تتملكه بوضع اليد. العملية أبسط كثيرا من عملية شراء عقار في أيامنا هذه التي كل شيء فيها معقد.

تبدأ عملية الحصول على كهف جيد وذي موقع قريب من مصدر ماء وقريب أيضا من الحقول ومراعي الغزلان ليسهل على ربة الكهف التسوق، تبدأ العملية بالتجوال والمعاينة. وحين يروق لك كهف معين تدخله وتخليه من السكان بركل المقيمين الذين فيه وشدهم من شعورهم وصفعهم، ولا بأس من استخدام هراوة غليظة أو فأس حجري لإعداد الكهف للسكان الجدد. عملية سهلة ويمكن إجراؤها في غضون ساعتين على أبعد الحدود.

ومهما شخص علماء الآثار حقبة عمرها آلاف السنين أظل غير مقتنع بحكاية العيش في الكهوف، والسبب أن الكهوف نادرة. أنظر إلى مصر مثلا. كهوفها كلها لا تكفي لإيواء سكان شارع البادية في مصر الجديدة، وكهوف تونس لا تكفي لسكنى أهالي نهج الإمام سحنون في تونس العاصمة. ثم إن الإنسان في تلك العصور راح يطلب أرضا منبسطة ليحاول الزراعة ومطاردة الغزلان والكهوف تقع في مناطق جبلية نائية والمواصلات صعبة.

وإنسان عصر الكهوف كان يتنقل برشاقة ولا يأكل إلا منتجات عضوية خالية من كل المواد الحافظة وأصباغ الطعام والمسرطنات والمبيدات. علاوة على كونها طازجة. كان إنسانا يحقق كل شروط الأكل الصحي وأسلوب الحياة اللذين نطلبهما اليوم. ومع ذلك كان يموت في الثلاثين. هذا أيضا يجعلني أشك في حكاية العصر الحجري أصلا.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر