الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

إفراغ المجتمع من النخبة

المجتمع يظل حاويا على أفراد نخبويين، ولكن من دون أن يشكلوا سلطة معنوية وأخلاقية وسياسية واقتصادية قوية، بل وتنهار مكانة النخبة في الوعي العام لتحل محلها الفئات الخدّامة.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/01/05، العدد: 10145، ص(14)]

يدلل التاريخ على انحطاطه بأشكال متعددة وبمعالم مختلفة غير أن الشكل الأفقع والمعلم الأوضح يظهران في خلو المجتمع من النخبة في لحظة ما من لحظات تاريخه.

لقد حدثني بعض الأصدقاء اليمنيين حين كنت أستاذا في جامعة عدن بأن الجبهة القومية بعد أن آلت إليها السلطة في جنوب اليمن دعت إلى عقد مؤتمر للنخبة اليمانية الجنوبية التي تكونت زمن الاستعمار البريطاني، وعُقد المؤتمر فعلا، وجاءت النخبة من كل أحياء اليمن الجنوبي ومن خارجه، وبعد انتهاء المؤتمر رتبت السلطة رحلة للمشاركين في المؤتمر إلى جزيرة سوقطرة بالطائرة ثم أسقطت بهم الطائرة وقضوا أجمعين.

ولقد اعتقدت أن في القصة، مبالغة وربما كانت تهمة تُكال للنظام القديم، لأن عقلي في الأصل ليس باستطاعته أن يصدق حدوث سلوك كهذا إلى أن سألت الرئيس الأسبق لليمن الجنوبي علي ناصر محمد عن صحة هذه الواقعة فأكد لي حدوثها وردّها إلى قرار من قحطان الشعبي رئيس جمهورية اليمن الجنوبية.

تشير هذه الواقعة إلى الموقف الذي تتخذه الأنظمة الشمولية من النخب، دون استثناء، موقف يتسم بالعدوانية منها إن وجدت هذه النخب، وتهميشها والحيلولة دون ظهورها، ذلك لأن النخبة هي جملة من الفئات ذات التفوق والفاعلية في كل مجالات الحياة السياسية والثقافية والإدارية والاقتصادية والتعليمية والأهلية. والتي يسمح تفوقها هذا بممارسة حضورها القوي وتشكيل وعي مجتمعي بأهميتها، مما يخلق لدى السلطة الدكتاتورية خوفا من تأثيرها بما لها من قوة الفاعلية.

أجل إن هذا الخوف يحمل السلطة المستبدّة على إفراغ المجتمع من النخبة كفئات حاضرة في كل المجالات التي ذكرت.

فالدكتاتوريات، في بلادنا على وجه الخصوص، حطمت النخب السياسية عبر تحطيمها للحياة الحزبية، ويغدو تعويل الدكتاتور على فئة متوسطة الذكاء وما دون المتوسط، هاجسها الثروة وما يغدق عليها المنصب من امتيازات نتيجة الفساد، وحتى النخبة العسكرية التي تحوز على الهيبة المجتمعية تتحطم خوفا من الدكتاتور من أن ينشأ لديها نزوع نحو السلطة، فيما تبني النخبة الاقتصادية علاقة فساد وولاء مع السلطة لزيادة ثروتها وتتحول إلى طبقة خائفة على امتيازاتها، وتتحول النخبة الإدارية إلى مجموعة من الموظفين الساعين للاحتفاظ بالمنصب عبر إظهار الولاءات الكاذبة. وتغدو النخبة المجتمعية، وبخاصة نخب المجتمع الأهلي، في خبر كان، ويستعاض عنها بأسافل الناس، وتنهار بشكل شبه كامل النخبة الإعلامية بسبب غياب الإعلام الحر، ناهيك عن أن النخبة المثقفة تتحول إلى حالات فردية ليس إلا.

وهكذا، وسنة وراء سنة يجد المجتمع نفسه خاليا من النخبة، مجتمعا بلا نخبة. النخبة كفئات وليس كأفراد، إذ يظل المجتمع حاويا على أفراد نخبويين، ولكن من دون أن يشكلوا سلطة معنوية وأخلاقية وسياسية واقتصادية قوية، بل وتنهار مكانة النخبة في الوعي العام لتحل محلها الفئات الخدّامة والمحتقرة من قبل الجمهور.

ولعمري إن كارثة خلوّ المجتمع من نخبه تتمدد زمنا طويلا حتى بعد زوال الدكتاتوريات، لأن إنتاج النخب ثمرة سيرورة طويلة من التقدم.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر