الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

هتلر وأردوغان .. والمحايثة التاريخية

أردوغان ليس هتلر هذا أكيد، كما أنّ تركيا الأردوغانية لن تكون متطابقة مع ألمانيا النازية، ولكنّ تقاطعات عديدة وارتسامات مشتركة بين التجربتين تصل إلى حد المحايثة التاريخية.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/01/07، العدد: 10147، ص(9)]

الأسماء الأعلام والتواريخ والأماكن، تمثل ثلاثيّة تحليلية لمرجعيّة المتكلم، حيث يكشف تحليل الخطاب عن مرتكزات القول ومحددات التصوّر وأطر التمثّل لدى القائل.

أن يستدلّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالرئيس النازي أدولف هتلر في سياق البرهنة عن إمكانية نجاح تجربة النظام الرئاسي في بلاده، فهذا لا يشير فقط إلى قصور حجاجي لدى أردوغان في مستوى اختيار القرينة والحجة، وإنما أيضا إلى استبطان عميق من النظام التركي لنجاعة التجربة الألمانيّة ولوجود خيوط ناظمة عديدة بين النظامين.

جهلا أو تجاهلا قفز الرئيس التركي فوق تجارب رئاسية ديمقراطية حقيقية تبدأ من فرنسا الدولة اللائكية التي تتقاطع مع تركيا في علمانية المؤسسات، ولا تنتهي عند الولايات المتحدة الأميركية التي تمثّل فضاء رحبا لليبرالية السوق والمجتمع وإطارا واسعا لما بعد ليبرالية الدولة، ويبدو أنّ مرجعيّة المؤسسات واستقلاليّة السلطات وحدود الصلاحيات في كلا البلدين حالت دون استشهاد أردوغان بالنظامين المذكورين.

فشخصنة الدولة وشخصية أردوغان القائمة على “نصف خليفة نصف رئيس” تمنعان عنه الاستدلال بواشنطن وباريس، بغض النظر عن الانتقادات التي بالإمكان توجيهها للنظامين، وتسمحان له بالركون إلى أمثلة سياسيّة تفضح أحادية النموذج المبتغى لتركيا وتكشف الاستبداد الموروث في الذهن الأردوغاني وفي منظومته المعرفية.

هنا يفترض بالمجتمع المدني التركي برمته الاستنفار حيال هذه التصريحات، فالإشكال لا يكمن في النظام الرئاسي بحدّ ذاته، وإنما في التمثل الأردوغاني للنظام الرئاسي، وهو تمثّل يقوم على الشخص لا المؤسسة والاستفراد لا المشاركة، ويعمل على شخصنة الدولة ودولنة الشخص.

ولئن تمكنت روافد المجتمع من التعبير عن نفسها وعن مطالبها صلب نظام برلماني منفتح بالطبيعة وتعددي بالأصل، فإنّ التجسيد السياسي والمدني يصبح أقلّ تأثيرا عند التحوّل إلى نظام رئاسي متفرّد بالسجيّة السياسية وأحادي بالسليقة الفكريّة.

على هدي ما تقدّم من تقاطع بين الهتلرية والأردوغانية تتبيّن ارتسامات أخرى بين الطرفين، لعل من بينها التقوقع على الذات حدّ الدوغمائيّة، ورفض الآخر حدّ إلغاء التنوّع الثقافي والأنثروبولوجي الموجود.

ليس من الغريب أن تدفع القومية الشوفونية أردوغان إلى اعتماد سمات من سياسة الإقصاء والإلغاء حيال الأقليات، الكردية منها والعلوية وحتّى الأرمنية.

ووفق عبدالوهاب المسيري فإنّ مصير اليهود الذين كانوا خارج الإطار الوظيفي الألماني إبّان النازية والمختلفين مع محددات العنصر الآري، لا يختلف كثيرا عن مصير الأكراد الذين يلاحقون اليوم بالحديد والنار تحت ذريعة تبنيهم لمطالب خارج التمثّل التركي للهويّة والتعدّد. كما أنّ مصير اليهود زمن الهتلريّة لا يتباين كثيرا مع مصير الأرمن زمن العثمانيين القدامى والجدد، فلئن وضع اليهود برمتهم خارج الزمان والمكان النازيّين، فإنّ الأرمن كانوا أيضا ضحيّة جماعيّة لتفكير عثماني قديم متجدّد يسلّط عصاه الغليظة على الجميع دون استثناء.

وطالما أنّ النظام التركي يكابر عن الإقرار بحقائق المذبحة الأرمنية، التي لا تختلف في شيء عن الهولوكست إلا في الطريقة والأداء والمسلكيّة، فإنّ العقل الذي قتل الأرمن بالأمس هو ذاته الحاكم اليوم في أنقرة وإسطنبول.. حتّى وإن تغيرت الأسماء ومعها الألبسة.

المحايثة الأردوغانية للهتلريّة تتجسّم في تصريح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بقدرة أنقرة بمعاضدة مجموعة من قوى التحالف على احتلال روسيا وإسقاط موسكو خلال أيام، وهو نفس “الحلم الوهم” الذي روّجه هتلر لجيشه وشعبه والمتحالفين معه إبان الحرب العالمية الثانية.

صحيح أنّ هتلر كان أكثر واقعية من أوغلو، حيث رجّح احتلالا لروسيا خلال 4 أشهر تحولت إلى 4 سنوات قبل تحوّل القوات المحاصرة لموسكو وستالينغراد إلى أسرى حرب في يد القوات الروسية، إلا أنّ كليهما فكّرا في روسيا من ذات الزاوية وعبر نفس المنظار الإستراتيجي. تفضح الكلمات أصحابها، وتهتك المصطلحات المرجعيّة ستار العناوين المزيفة والشعارات المقنّعة.

أردوغان ليس هتلر هذا أكيد. كما أنّ تركيا الأردوغانية لن تكون متطابقة مع ألمانيا النازية، ولكنّ تقاطعات عديدة وارتسامات مشتركة بين التجربتين تصل إلى حدّ المحايثة التاريخية، محايثة في البدايات والمنطلقات وفي النهايات أيضا على ما يبدو.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر