الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

جارتي مورين

مورين تعتقد أن أكثر الطرق فعالية للتصالح مع الآخر وتجاوز سوء التفاهم معه هو محاولة النظر إلى الأشياء من منظوره، ومحاولة تقريب وجهات النظر حتى لو كانت متباعدة.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/01/08، العدد: 10148، ص(21)]

بعيدا عن الصدام الحضاري الذي يشوب علاقة الشرق بالغرب، تنمو علاقات إنسانية جميلة، لا تحفل بما راح وجاء من عداءات الساسة وصراعات الأنظمة المتعاقبة، ولا تهوى النبش في السجلات القديمة والوقوف على أطلال التاريخ المليئة بالنزاعات والحروب والدم.

وبريطانيا من البلدان التي ليست بمنأى عن حوادث العنف والكراهية ضد الأقليات، ولا أحد يستطيع أن ينكر أن العنصرية متأصلة فيها كما في جل البلدان الغربية والعربية على حد السواء.

وفي أي بلد من بلدان العالم ينظر دائما إلى المهاجرين على أنهم دخلاء ومصدر تهديد، وليس الأمر بالضرورة راجعا إلى اختلاف في الجنس أو العرق أو الدين.

فحينما وصل على سبيل المثال، الهيجونوت (لاجئون من الفرنسيين البروتستانت في عصور سابقة) أو اليهود إلى بريطانيا حدثت توترات اجتماعية كبيرة، ولكنها سرعان ما اختفت بعد ذلك.

ونفس الشيء يحصل اليوم مع السوريين والفلسطينين والعراقيين في بلدان اللجوء، فالشعور بكره الأجانب سواء أكانوا يهودا أو أفارقة أو عربا موجود في كل مكان، بسبب الاعتقاد الاجتماعي الراسخ بأن الأجانب يشكلون دائما تهديدا للاقتصاد والبُنى التحتية والتماسك الاجتماعي.

من المؤكد ألا أحد يحب العنصرية بل أغلبنا ينبذها، ومع ذلك فلا أحد أيضا معصوم من ممارستها، وأحيانا يمارسها بأبشع الأشكال في أقواله وأفعاله، لأن جميع البشر مبرمجون اجتماعيا لترسيخ صورة نمطية سلبية عن الآخر.

وللأسف، ليس بإمكاننا أيضا أن نجد كلمة بديلة يمكن أن نصف بها ما تعانيه الأقليات في الدول العربية من إنكار لحقوقهم وهويتهم غير “العنصرية” التي تمارسها مجتمعاتهم ضدهم بسبب اختلافهم العرقي أو الديني.

ولكن حوادث العنصرية في بريطانيا مهما تعددت تبقى شاذة، لأن الاختلاف الثقافي بات جزءا من نسيج الحياة في هذا البلد، ولذلك نرى اليوم علاقات متينة بين يهود وعرب ومسحيين ومسلمين وأناس من إثنيات مختلفة، استطاعوا أن يتصادقوا ويتحابوا رغم الاختلاف في الثقافات والمشارب والمناهل والانتماءات والهويات.

قد يعتقد الكثيرون أن أصحاب هذه العلاقات لا يملكون إحساسا بالهوية ودافعهم الانصهار والذوبان في المجتمع البريطاني، لا بالعكس إنهم متمسكون بعاداتهم وطقوسهم وتقاليدهم ودياناتهم، ولكن فلسفتهم في الحياة تتجاوز الحدود الصورية بين العقائد والثقافات والخلفيات العرقية والجنسية.

وجارتي مورين واحدة من النساء البريطانيات التي حذرت في بداية الأمر من توددها لأنني كنت محملة بأفكار مسبقة عن عنصرية البريطانيين، ولكني رأيت العكس منها، فقد كانت حريصة على مساعدتي في تجميل حديقة المنزل، ومدتني بكتب لتطوير لغتي الإنكليزية، وأرشدتني وساعدتني في أمور كثيرة، ولست الوحيدة، فهي تتعامل بود مع أغلب جيرانها الأجانب والإنكليز، فعجبت من أمرها، وألح علي فضولي أن أسالها عن السبب، فقالت إن دوافعها إنسانية، وهو جانب تلقائي وعفوي دأبت عليه في حياتها منذ كانت في سن صغيرة، وحتى بعد أن تزوجت من رجل من الجزر الهندية.

مورين تعتقد أن أكثر الطرق فعالية للتصالح مع الآخر وتجاوز سوء التفاهم معه هو محاولة النظر إلى الأشياء من منظوره، ومحاولة تقريب وجهات النظر حتى لو كانت متباعدة. ألهمتني جارتي الإنكليزية أشياء كثيرة، وعلمتني أن كيفما تُعامل الناس يُعاملونك، وكلما حاولت تفهّم ما يدور بخلدهم، كلما تيسر عليك فهمهم والتسامح معهم، أو حتى تغييرهم نحو الأفضل.

اكتشفت من خلالها مرآة أخرى أننا نستطيع أن نرى من خلالها الناس، وتعلمت لغة التسامح الروحي مع الغير التي لا تحتاج جواز سفر ولا جنسية.

لا بأس أن يكون لكل منا منظومته الخاصة وضوابطه ومعتقداته، لكن علينا أن نتحاور، لأن في غياب الحوار مع الآخر يتولد الشعور بالوحدة والاغتراب والصراع، ومثل هذه الأمور قد تدفع الكثيرين إلى التطرف.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر