السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

ابن زادا ونحن

ابن زادا، تماهى مع شخصيات القصص التي كان يغوص في عوالمها، فتصوّر أنه واحدٌ من أولئك الفرسان، وقرر إنقاذ العالم كـ”سوبرمان” لذلك العصر.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/01/08، العدد: 10148، ص(24)]

ربما لا يجد القارئ إلى جواره وهو يقرأ الآن من لا يعرف دون كيشوت، فقد صار الفارس ذو الرمح الطويل، والذي يحارب طواحين الهواء أشهر من نار على علم، هو وحماره ومرافقه سانشو، لكن منقّب الأثر وقصاصه، سيجد أن دون كيشوت، الذي كان يدعى كيك زادا، كان مثلنا يحب القراءة، وقد بلغ الخمسين وهو يغرق رويدا رويدا في قراءة القصص الخيالية عن الفرسان وبطولاتهم.

ابن زادا هذا، تماهى مع شخصيات القصص التي كان يغوص في عوالمها، فتصوّر أنه واحدٌ من أولئك الفرسان، وقرر إنقاذ العالم كـ”سوبرمان” لذلك العصر، وأيضا قرّر البحث عن الحب، فلا يجوز أن يكون الفارس بلا حبيبة ينقذها من الأشرار بين الوقت والآخر، فتخيل أن له حبيبة مفقودة، وقرّر أن يسميها “دولسينيه”.

تحوّلت صورة كيك زادا إلى لوحة كاريكاتيرية، بخوذة كرتونية وحصان عجوز، لكنه قال أعظم الكلمات مثل قوله “إن أعظم انتصار في العالم هو انتصار الإنسان على ذاته”. أما سانشو، فقد كان جار كيك زادا، وكان طيّبا مسكينا، أقنعه الفارس الجديد بأنه سينصّبه حاكما على مقاطعة في حال انتصر في حروبه، فصدّق سانشو ومشى خلف سيّده.

كيف ظهر دون كيشوت الآن؟ لا شيء سوى أن من يتحاربون في الشرق، لم يتعلموا من كيك زادا شيئا، ولا شيء سوى أن هذه السنة، هي السنة التي مات فيها ميغيل دي ثيربانتس سابيدرا، صانع الدون كيشوت ومحاربة طواحين الهواء. ثيربانتس الذي قرّر محاربة كل شيء، بعد أن كان قد أوكل إليه منصب محصل للضرائب في الحرب الأسبانية، لكن أسبانيا هزمت في الحرب، فلم يجدوا من يصبون عليه غضبهم سوى الكاتب المسكين، الذي كان قد أودع أموال الضرائب عند أحد الصيارفة، فأفلس الصيرفي ووقع ثيربانتس في الفخ، فسجنوه ثلاث سنوات بعد اكتشاف العجز في حساباته.

ثيربانتس شهد أغرب جنازة في التاريخ، فقد شيعته أسبانيا العام الماضي فقط بعد أربعمئة عام على وفاته، وأقامت له تشييعا يليق به، ودفنته من جديد، بعد قرابة عام من البحث في الدير الذي يعرف أن ثيربانتيس كان قد دفن فيه عام 1616.

هذا العام الجديد ينتهي أيضا بالرقم 16، وهو رقم حيادي ولا بطولات له ولا سحر مثل الرقم 7 ولا كوارث وشرور مثل الرقم 9، رقم يمشي مسالما بعيدا عن المشاكل، فلا تكاد تعثر عليه في حساب الجمل وأبجدية الحروف والأرقام، وليس بغير دلالة أن يكون عامٌ مثل هذا العام، ومثل عام وفاة ثيربانتس، قبل مئة سنة فقط، كان قد شهد توقيع اتفاقية سايكس بيكو سازانوف، وفيه حجبت جائزة نوبل للسلام، لأنه لم يكن هناك من يستحقها والعالم يشتعل بالحروب آنذاك.

القرون لم تتمكن من منع صدى صوت سانشو وهو يقول لدون كيشوت حكمته الأثيرة “لو استسلم الجميع لليأس وماتوا، لارتبكت نصف البشرية في دفن نصفها الآخر”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر