الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الجهاد في سبيل الله.. أي جهاد؟ أي سبيل؟

تبدأ الثورة الدينية بحق حين يعلن رجل دين، ويتحلى بشجاعة عمر بن الخطاب، أن الاجتهاد فريضة ولو وجد نص، وأن فقه الواقع مقدم على فقه نقلي بعضه ينتمي إلى ماض وظروف مختلفة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/01/12، العدد: 10152، ص(9)]

في الصفحة الأولى من فصل “الجهاد”، اختار الشيخ السيد سابق مؤلف “فقه السنة”، وهو كتاب شهير لا يخلو منه بيت تقريبا، الآية 24 من الإصحاح العاشر في إنجيل متى، “المتداول بأيدي المسيحيين”، من دون غيرها من آيات الرحمة، لكي يصدر بها فصل “الجهاد”، ويقع في 45 صفحة.

لا أدري لماذا أشار المؤلف إلى أن هذا الإنجيل متداول لدى المسيحيين؛ فالأناجيل والكتب المقدسة وغير المقدسة متداولة لدى المسيحيين وغير المسيحيين. وقبل هذه الآية نقرأ وصايا المسيح لتلاميذه الاثني عشر بالزهد والحكمة “لا تقتنوا ذهبا ولا فضة ولا نحاسا… ومن لا يقبلكم ولا يسمع كلامكم فاخرجوا خارجا من ذلك البيت أو من تلك المدينة، وانفضوا غبار أرجلكم”، ولكن المؤلف اختار الآية 24 “لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض. ما جئت لألقي سلاما بل سيفا. فإني (نقلها الشيخ: فإنني) جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها والكنة ضد حماتها”.

جاء الاستشهاد بالآية 24 من الإنجيل لتهيئة القارئ نفسيا لليقين بأن “الجهاد” فريضة دينية، لم يبتدعها الإسلام، بل أوصى بها نبي الرحمة أيضا. ومن المفارقات أن من يحتجون بالإنجيل في هذا الموضع، لا يبالون بإنكاره وطعن المسيحيين في عقيدتهم في مواضع أخرى، ولا يترددون في وصفهم بالكفار، ويبخلون عليهم بكلمة مجاملة ولو تهنئة بعيدهم، ففي 29 ديسمبر 2015، أفتت دار الإفتاء الليبية بأن الاحتفال برأس السنة الميلادية “محرم شرعا؛ لما فيه من إقرار لما عليه النصارى من شعائر الكفر، ورضى به، ويحرم على المسلم أن يرضى بشعائر الكفر أو يهنئ بها غيره؛ لأن الله تعالى لا يرضى بذلك، قال تعالى: (إِن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر)”.

وقالت دار الإفتاء المصرية “لا يجوز لأحد من المسلمين مشاركة أهل الكتاب في الاحتفال بعيد الكريسمس ولا تهنئتهم بهذه المناسبة لأن العيد من جنس أعمالهم التي هي دينهم الخاص بهم، أو شعار دينهم الباطل، وقد نهيْنا عن موافقتهم في أعيادهم، دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار”.

لا يصمد احتجاج “نصي” بآية من الإنجيل، أو آيات من القرآن، أمام راهن “عقلي” تجاوز بالتطور الحضاري والارتقاء الإنساني والقيم البشرية، ما سجلته الكتب المقدسة من معارف وعادات وتقاليد لم تبتدعها الكتب المقدسة، ولكنها أوردتها في ما أوردت من تقاليد كانت جزءا من سياق تلك العصور، ولا ينبغي أن نرهن المستقبل إليها، وأن نمضي إلى الغد وأعيننا شاخصة إلى الوراء؛ فنتعثر ونفرح بالسقوط، ناسين أن تلك القيم أصبحت من الماضي. وفي الاستشهاد بمرونة الفقه الإسلامي يتصدر الواجهة “اجتهاد” عمر بن الخطاب حين ألغى سهم “المؤلفة قلوبهم” من نصيب مستحقي الزكاة. اجتهاد شجاع مع وجود نص قرآني صريح.

تبدأ الثورة الدينية حين يعلن رجل دين، يتحلى بشجاعة عمر بن الخطاب، أن الاجتهاد فريضة ولو وجد نص، وأن فقه الواقع مقدم على فقه نقلي بعضه ينتمي إلى ماض وظروف مختلفة، وأنه لا يمكن الاحتجاج بوجود نص ديني على مكتسبات البشرية بعد إقرار مواثيق حقوق الإنسان، وهي شرائع بشرية يستحيل معها فرض الجزية والاستعباد وإقامة أسواق لبيع الرقيق واقتسام أسرى الحرب. لكن هذا الخطاب مازال ساريا، ويجد فيه بعض رجال الدين بضاعة رائجة لها زبائن يشتهونها، ويتمنون أن يحصدوا غنائمها. لا علاقة لداعش بالقضية، فالدعشنة كامنة في نفوس المرضى، ولا تقتصر على شاب داعشي مستلب قتل أمه أمام الناس وسط مدينة الرقة السورية، باسم “الجهاد في سبيل الله”، مطلع يناير 2016، لأنها طالبته بترك التنظيم. ذنب الأم أنها خافت على ابنها (20 عاما)، ونصحته بترك التنظيم، وبدأ جهاد الابن بإبلاغ التنظيم عن أمه، فاعتقلت واتهمت بالردة. وما قام به الابن هو تنفيذ حكم في المرتد وفقا للشريعة، شريعة داعش التي لا تقتصر على “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام”، بعد تعدد منابر الدعشنة، وهي تبث أحاديث منتزعة من سياقها التاريخي، “من لم يغز، ولم تحدثه نفسه بغزو، مات ميتة جاهلية”.

يختلف داعش عن غيره إلا في الدرجة والسفور والثقة في الإعلان والإصرار على التنفيذ. يسهل استلهام تراث سيد قطب، وخصوصا “في ظلال القرآن” الذي نقل فقرات منه إلى “معالم في الطريق”، وقد سمعت يوسف القرضاوي يصف “في ظلال القرآن” بأنه يصعب تهذيبه لأنه “ينزّ تكفيرا”. فعل “ينزّ” دال على النضح والرشح وتساقط قطرات المياه حتى يصعب تجفيفها. يقول قطب في “المعالم”: إن الذين يلجأون إلى تلمس أسباب دفاعية بحتة لحركة المد الإسلامي، إنما يؤخذون بحركة الهجوم الاستشراقي، المد الإسلامي ليس في حاجة إلى مبررات أدبية له أكثر من المبررات التي حملتها النصوص القرآنية “فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة…”. و”اتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون”.

كان “الجهاد” للدفاع عن النفس وتبليغ الرسالة ونصرة المستضعفين، وأصبح ينتمي إلى التاريخ؛ فيسهل على من يريد المعرفة أن يجدها بأيسر الطرق، ولدى بعض الدكتاتوريات الإسلامية، التي تنكرُ حقوق الإنسان وترفض العدالة السياسية والاجتماعية، مراكز للدعوة في عواصم لا يخيفها تبشير بدين أو بإلحاد، ولكن هذه النظم الاستبدادية تهتز عقيدتها لمجرد شوق غير المسلمين إلى إقامة دار للعبادة.

ورغم تطور بشري سما فوق مفهوم “الجهاد” يواصل إشعال الحرائق مجانين منهم رجل اسمه أبو إسحق الحويني. يفترض أن يعامل هؤلاء كمجرمين يحرضون على الكراهية والعنف، هؤلاء لصوص الله القائل “يا أيها الناس”، دون أن يحدد دينهم، وفي نهاية الآية نفسها قال “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. ويعلم المجرمون مشوّهو الدين أن هذه الآية وحدها تبطل عملهم، إن كان للعاطلين عمل. ويخبو الأمل بانشغال مواطنة مصرية الآن بقضية ملك اليمين، ثم ينطفئ الأمل بإجابة سعاد صالح أستاذة الفقه المقارن بجامعة الأزهر قائلة إن أسرى الحرب من النساء هم ملك اليمين “المشروع”، للجيش أو قائده، “لكي يذلهم. يستمتع بهم كما يستمتع بزوجاته.. الآيات القرآنية مازالت موجودة ليس للتفعيل ولكن للتنفيذ إذا حصلت شروط الإسلام في هؤلاء”، في حالة النصر على إسرائيل مثلا.

لم تقل الفقيهة: ماذا نفعل لو انتصرت إسرائيل، ووقعت نساؤنا “سبايا”؟

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر