الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

لوم الضحية

لوم الضحية يذهب إلى أبعد من ذلك ويجعل الضحية سواء كانت بنتا ترتدي بنطلونا ضيقا أو رجلا يحمل هاتفا في جيبه مسؤولا مسؤولية كاملة عن الجريمة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/01/12، العدد: 10152، ص(24)]

المعتدي قوي والمعتدى عليه ضعيف. هذه قاعدة عامة لكن معرفتها مهمة. لنعرف الانحطاط الذي وصلنا إليه ألاحظ تفشي ظاهرة إلقاء اللوم على الضحية. في كل شيء من التحرش بالبنات إلى سرقة الهواتف الحمولة إلى غزو البلدان واستباحة أراضيها.

في مصر هناك تيار كبير وواضح يلقي اللوم على أحمد عرابي لأن الإنكليز هاجموا مصر واحتلوها لقمع ثورته. يقولون إن عرابي هو الذي جاء بالمعتدين. يعني إنه قام بعمل جعل الإنكليز يحتلون مصر. إلقاء اللوم على الإنكليز أنفسهم أمر مشوب بالمخاطر. كانوا الطرف الأقوى والمعتدي، وبهذا نخاف منهم ومن بطشهم ويصير عدوانهم حقا طبيعيا وعملا مبدئيا والعيب يأتي على من أعطاهم حجة وذريعة لاقتحام مصر.

وسمعت أيضا من يلقي بتبعة الدمار الذي حل بالعراق على رئيسه الراحل صدام حسين. مثل عرابي باشا، هو من جاء بالأميركان. الذي يقصف ويدمر لا عتب عليه والعيب في من تحداه أو لم ينصع لأوامر المعتدي. وبهذا يصير العدوان مقبولا من حيث المبدأ، بل متوقعا ولا خير في قوي لا يعتدي. القوي الذي لا يضرب طائش ومنحرف.

هذه ليست حالات استثنائية، هذه حالة ذهنية ونفسية. فكرة لوم الضحية مقبولة وتشمل كل شيء. لا يمر شهر دون أن نسمع عن حالة اعتداء جنسي أو اغتصاب ويروح أصحاب الرأي والإعلاميون وأبناء الشعب كلهم يلقون باللوم على المرأة ضحية العدوان. لن تعدم من يقول إنها كانت ترتدي ملابس ضيقة أو قصيرة أو إنها كانت تمشي بطريقة تستدعي الاعتداء وتطلبه.

أذكر أني كنت أزور دار نشر في عاصمة عربية وكان كل الحضور من النخبة من رسام إلى شاعر إلى ناقد. كانت لدي حكاية عن هاتفي المحمول وكيف أن نشالا سرقه من جيبي. أول رد فعل منهم كان سؤالي “أين كنت تحمل الهاتف؟ في أي جيب؟” أحسست فورا أنهم يريدون أن يتلمسوا عذرا للسارق ويجعلوني مذنبا. قلت إنه كان في جيب القميص فقالوا مثل أطفال يرددون نشيدا، بصوت واحد ضحكوا وقالوا “وهل هناك من يضع هاتفه في جيب القميص، طبعا سيسرق”. ولكن ماذا عن الحرامي الذي دس يده في جيب إنسان آخر؟ السارق لا لوم عليه فهو يقوم بعمل طبيعي بل وأخلاقي وصاحب الهاتف هو المتعدي لأنه يضع المحمول في جيب قميصه.

لوم الضحية حالة جبن واستخذاء تتملق القاتل والسارق والمتحرش والمغتصب.عندما كنت صغيرا كنت استهجن وضع المجني عليه في موقع ينوب فيه عن الجاني. كان ذلك في درس النحو عندما علمونا أن جملة “قُتلت الفتاة” فيها الفتاة (القتيلة) نائب فاعل لمجرد أن الفعل مبني للمجهول. أي أنها تنوب عن القاتل الذي طعنها.

تحديد القتيل على أنه نائب للقاتل كان يغضبني وأجد فيه اعتداء على العدالة. لكن لوم الضحية يذهب إلى أبعد من ذلك ويجعل الضحية سواء كانت بنتا ترتدي بنطلونا ضيقا أو رجلا يحمل هاتفا في جيبه مسؤولا مسؤولية كاملة عن الجريمة.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر