السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

من علمني حرفا أشبعته ضربا

لقد عفا الزمن على العهد الذي 'كاد فيه المعلم أن يكون رسولا'، وخفت بريق مهنة التدريس التي كان ينظر إليها على أنها أنبل المهن.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/01/15، العدد: 10155، ص(21)]

التقيته صدفة في الصائفة الماضية عندما كنت في زيارة لأهلي في البلاد التونسية، وما أجملها من صدفة، فقد جمعتني بالشخص الذي علمني أبجديات الكتابة والقراءة، وأعادت إلى ذهني ذكريات المدرسة التي ما زالت محفورة في الذاكرة.

لم يتعرف عليّ في البداية، وبدت على وجهه علامات الحيرة، ولكنني بددت كل تخميناته بمجرد أن ناديته “سيدي”، فأدرك أنني تلميذته التي نهلت منه العلم ولم تدر له ظهرها أو تتكبر عليه، حتى بعد أن كبرت وشقت دربها في الحياة.

تهللت أسارير وجهه فرحا، وكان أول سؤال وجهه إلي “ماذا تفعلين الآن”، فتعجبت من أنه لم يسألني عن اسمي بل سألني عن مركزي، ومعه حق، فهو صانع أجيال ولا تفرق عنده الأسماء في شيء، بقدرما تعنيه ثمار جهده ورؤية أجياله تسير على درب علمه.

وعندما أعلمته أنني فلانة وأعمل حاليا كاتبة صحفية، ارتسمت على ثغره ابتسامة عريضة وربت على كتفي، وطلب مني أن أعطيه اسم الصحيفة حتى يتمكن من قراءة كتاباتي، ثم ودعنا بعضنا وانصرف كل منا في حال سبيله.

وأبسط شيء أريد أن أقدمه لمعلمي الذي درسني بالسنة الأولى من التعليم الابتدائي هو تحية وفاء في زمن الجفاء من المعلم الذي أصبح عوض أن يكرم يهان.

ولا يتوقف الأمر عند حد الإهانة أو السخرية، فحوادث الاعتداء على المعلمين تتنوع بين العنف اللفظي، لتصل إلى حد التعنيف الجسدي، والجناة يكونون في غالب الأحيان تلاميذ قصّر.

للأسف، لقد عفا الزمن على العهد الذي “كاد فيه المعلم أن يكون رسولا”، وخفت بريق مهنة التدريس التي كان ينظر إليها على أنها أنبل المهن.

وترسم التقارير الدولية حول حوادث الشغب والعنف بالمدارس صورة قاتمة عن علاقة التلميذ والمعلم التي أصبحت تتسم في غالب الأحيان بالتوتر ويشوبها الصراع الذي ينتهي بحوادث مأساوية.

وتشير الاحصائيات الحديثة التي نشرتها وزارة التعليم البريطانية إلى أن معلما أو أستاذا يتعرض كل أسبوع للضرب في مدارس إنكلترا على أيدي أحد تلاميذه، كما أظهر استطلاع للرأي أن ربع المدرسين يتعرضون لمضايقات في العمل من قبل الطلاب وأولياء أمورهم، وأغلبهم يخير التكتم على الأمر خوفا من فقدان الوظيفة ولتجنب المزيد من المشاكل.

وحالات الشغب في المدارس تكلف التلاميذ في المملكة المتحدة ضياع حوالي ثمانية وثلاثين يوما من العام الدراسي، وبريطانيا ليست استثناء، فالظاهرة مستفحلة في جميع دول العالم، ولعل الأمر أسوأ في الدول العربية والإسلامية، فالمؤسسات التربوية التونسية علي سبيل المثال تسجّل يوميا حوالي 100 حالة عنف، وما خفي في بعض الدول الأخرى ربما أعظم.

وهذا يدعونا للتساؤل عن المتسبب الرئيسي في الخلل في العلاقة بين المعلم والتلميذ، خاصة وأن أغلب الأسر تلقي بالمسؤولية على عاتق المعلمين وتعتبرهم سبب العلة الأكبر.

وهذا أمر ليس بالجديد، فأغلب المجتمعات ومنذ القدم تعلق فشلها على المعلمين وعلى سياسة التعليم، كما أنها تعزو أيضا تقدمها وتحضرها إلى نباهة المعلمين وسياسة التعليم.

ولكن مهما يكن من أمر، فالمعلمون لا يمكن أن يكونوا دائما كبش فداء ونحملهم ما فوق طاقتهم بما في ذلك الفشل الأخلاقي في المجتمع، لأنه ليس باستطاعتهم بمفردهم إصلاح الخلل الذي تعاني منه المجتمعات، سواء كان من جراء المشاكل العائلية أو الجرائم أو الفساد بشكل عام، وليس من المنصف أن نتوقع منهم أن يفعلوا ذلك.

ولا يمكنهم بأي حال من الأحوال أن يعملوا بمعزل عن الأولياء الذين يعتبرون المدرسة الأولى للتلاميذ، كما لا يمكنهم أن يأخذوا دور الأولياء حينما يتخلى هؤلاء عن مسؤولياتهم التربوية تجاه أبنائهم.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر