السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

السبت 22 يوليو/تموز 2017، العدد: 10699

بصيرة ألبير قصيري في قصص مبكرة

«بشر نسيهم الله» عنوان دال، عنيف في حياده، لا يدّعي الحكمة، يصف من غير صخب، ويشير بأصابع الاتهام بإدانة واقع عاشه قطاع كبير من المصريين في نهاية الثلاثينات والأربعينات.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/01/17، العدد: 10157، ص(13)]

كاتب استثنائي عاش حياة هادئة في باريس وكتب عن مصر بالفرنسية

الكاتب اللغة الفرنسية وحدها لم تحرم الكاتب المصري ألبير قصيري من التواصل مع من أحبهم وكتب عنهم، الأصح أن أقول: من كتب «فيهم»، ولكن ترجمات غير موفقة، منقوصة أحيانا ومختصرة، لبعض رواياته هي التي حالت دون التفاعل مع عالم هذا الرجل، عالم يضيق مسرحه جغرافيا حيث توجد الطبقات الدنيا، أهل القاع، حيث يوجدون لا حيث يعيشون؛ فحياتهم ليست حياة، لا يحيون ولا يموتون، ويتحايلون لكي تتواصل أيامهم، فهم «بشر نسيهم الله»، كما حملت قصص قصيري المبكرة، التي كتبها قبل نحو 75 عاما، ونشرت عام 1941، ولم تترجم مجتمعة في كتاب، ثم عكف عليها المترجم المصري لطفي السيد، وصدرت في سلسلة «روايات الهلال» في القاهرة.

ولد قصيري في 3 نوفمبر 1913 بالقاهرة لأبوين مصريين من أصول شامية، وكان أبوه ميسورا، فلم يمارس الابن عملا، باستثناء عمله في البحرية التجارية بين عامي 1939 و1943 ـ كما يذكر الناقد الفرنسي فريديريك ساينين في مقدمة المجموعةـ وأتاح له ذلك زيارة أميركا وبريطانيا، أما فرنسا فزارها للمرة الأولى عام 1930، ثم استقر فيها منذ عام 1945، وأقام في الغرفة رقم 58 في فندق لا لويزيان بشارع السين بحي سان جيرمان دو بريه، حتى وفاته عام 2008.

وكان يرى أن السعادة هي أن يكون بمفرده، وأخلص لفلسفة الكسل، وعاش زاهدا في الحياة والعمل، وكان يقول إنه لم ير أحدا من أفراد عائلته يعمل، اكتفاء بعائدات أملاكهم. إلا أنه كتب أعماله كلها عن مصر، وعزف عن الحصول على الجنسية الفرنسية. شغله وطن عاش فيه عشرين عاما عن بلد قضى فيه بقية حياته، وعن ذلك قال «لست في حاجة لأن أعيش في مصر، ولا لأن أكتب بالعربية، فمصر بداخلي».

المهتمون بالسينما يعرفون قصيري عبر فيلمين قدمتهما المخرجة الراحلة أسماء البكري عن روايتين له «شحاذون ونبلاء» 1991، و«العنف والسخرية» 2003، ولكن الأفلام رغم حسن النية لا تبلغ من الحساسية الفنية درجة ينجح السرد في الوصول إليها؛ فعين قصيري لا تسعى إلى استعارة نظرة خارجية، عينه من الداخل تحنو، لا تهدف إلى «إدهاش» الآخر، ولا يعنيها جذب انتباهه أو إثارة شفقته عبر «الفرجة» على كائنات بشرية.

كتب أعماله كلها عن مصر، وعزف عن الحصول على الجنسية الفرنسية. شغله وطن عاش فيه عشرين عاما عن بلد قضى فيه بقية حياته، وعن ذلك قال «لست في حاجة لأن أعيش في مصر، ولا لأن أكتب بالعربية، فمصر بداخلي»

كتب قصيري قصص مجموعته «بشر نسيهم الله» قبل أن يبلغ الثلاثين، رسم بألوان الوجع القاتمة لوحات فريدة، جدارية صادمة أبطالها بؤساء مهمشون وفقراء وكسالى ومنبوذون، وأوباش يراهم «ملح الأرض»، في سرد لا يراقب الناس من أعلى، وإنما يتورط معهم، وينطق بلسانهم، ويمحو المسافة بينه وبينهم.

«بشر نسيهم الله» عنوان دال، عنيف في حياده، لا يدّعي الحكمة، يصف من غير صخب، ويشير بأصابع الاتهام بإدانة واقع عاشه قطاع كبير من المصريين في نهاية الثلاثينات والأربعينات، كيف يتحايلون على الفقر، ويتواطأون معه لتمضي حياتهم نحو نهاياتها. تضم هذه المجموعة خمس قصص، شهادة فنية وقّعها قصيري قبل هجرته إلى فرنسا.

قصص مبكرة تجسد براعته في تصوير الأحياء الشعبية، وشخصياتها التي تتمتع بروح السخرية، إحدى سمات المصريين في مواجهة القدر والقسوة والتفاوت الطبقي الصارخ، ولا يملك قصيري في مواجهة الظلم والموت إلا السخرية من الطبقات المهيمنة «اللصوص الشرعيين» كما كان يطلق عليهم.

تشمل مجموعة «بشر نسيهم الله» قصص «ساعي البريد ينتقم»، و«البنت والحشاش»، و«الحلاق يقتل زوجته»، و«خطر الفانتازيا»، و«الجياع لا يحلمون إلا بالعيش».

الجياع لا يحلمون إلا بالعيش

تمس قصة «الحلاق يقتل زوجته» مرارة الفقراء عشية العيد، فالصبي يحمل حزمة برسيم إلى منزل يخلو أصلا من «خروف العيد»، ويشعر الأب بمهانة الفقر «العيد ليس لنا، يا بني، نحن فقراء»، ويسأل الصبي ببراءة: ولماذا نحن فقراء؟ فيجيب الأب «لأن الله نسينا»، فيتساءل الابن «ومتى سيتذكرنا الله يا أبي؟»، فيرد الرجل بيقين اليائس «عندما ينسى الله شخصا ما، يا بني، ذلك للأبد»، فيصرّ الصبي على الاحتفاظ بالبرسيم، وينخرط في البكاء.

«نظر شاكتور لابنه باندهاش مشفقا. لم يقل شيئا. داخل عقله المعذب بلا توقف، لم يعد هناك مكان لألم جديد. ببساطة، كان يشعر بالانسحاق من حركة ابنه؛ لأنه كان يدرك الآن أن داخل هذا الطفل ـ لحمه ودمه ـ كان يتشكل بؤس واع وواقعي لم يكن لاحظه حتى ذلك الحين، ومن الآن فصاعدا سوف يكون مرتبطا ببؤسه. إلى متى؟ سيكبر الطفل وسينمو معه بؤسه، حتى اليوم الذي يضعف فيه بدوره ـ هل يستطيع إنسان ما أن يتحمل (بمفرده فقط) بؤسه؟ ـ سينجب طفلا يتقاسم معه العبء. العزاء الوحيد للفقير ألا يترك عند موته طفلا.. فالعار الذي يتركه لذريته لا ينضب».

في قصة «الجياع لا يحلمون إلا بالعيش»، يعلن أحد البؤساء أن الاحتياجات الأساسية للحياة بسيطة وقليلة، ولا تحتاج إلى حلول عظيمة؛ فالبشر جوعى والجياع لا يحلمون إلا بالعيش. ومن أجواء هذه القصة «مات ابن البنا نتيجة الافتقار للأدوية؛ لأنه كان فقيرا. إنها حقيقة أولى، لكنها هذا المساء لها ثمن لأنها للمرة الأولى تدخل أيضا إلى قلبي بشكل هائل. لذلك يجب أن أعتبرها إلهاما. فمن الآن، سوف يكون لحبّي معنى ولحياتي سبب. الحياة ستعني بالنسبة إليّ: الحرب. الحرب بداية من الآن ودائما ضد القوى البربرية التي تجعل أطفال الشعب يسيرون حفاة في برك المياه؛ وتجعل رجال هذا الشعب يتسوّلون في الشارع، أو يقبلون عمل الرقيق الذي لا يؤَمّن لهم حتى عيش كل يوم. ملعونة الأحلام الحمقاء التي تُسْكِن حياتي بالأشباح».

كاتب من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر