الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

الركائز الهشة للإرهاب: تأويلات قاصرة للدين غرضها سياسي

  • بصيرة كل الجهاديين، منذ بداية تنظيراتهم الأولى مع المودودي وسيد قطب، كانت معميّة وقاصرة، ولم تنتبه إلى تفسيرات جمة وردت على لسان علماء قدماء وجدد تؤكد أن الإسلام بتعاليمه يخلو من مقولة الجهاد القتالي الذي من خلاله يتم الاعتداء على الآخرين الآمنين، بل إن منظري الإسلام السياسي أصروا على أن القتال ـ بمبرر أو دون مبررـ يعد عمودا من أعمدة الإسلام، وهذا مخالف للشريعة ذاتها.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/01/18، العدد: 10158، ص(13)]

اشتباك الحداثة بالقرون الأولى

من القضايا التي تثير الاهتمام في الوقت الحالي وتستدعي المدارسة حولها هي قضية الجهاد، وما لحق به من تحريفات في العقود الأخيرة، حتى تم صرف المفهوم إلى معنى القتال فحسب، مع أن القتال هو الجانب الأضعف من الجوانب الكثيرة التي تدخل تحت نطاق مفهوم الجهاد في الإسلام، بل عده الإسلام أصغر حلقات الجهاد، مقارنة بالمعاني العديدة الأخرى التي تعني البناء والتربية والتأهيل والتخلق والتعايش والدعوة بالحسنى.

بيد أن هذا المفهوم المختزل، أي القتال، الذي تم تقزيم الجهاد إليه، سرعان ما تحول لكي يصبح بمعنى القتل، على نحو ما يقوم به تنظيم “داعش”، وغيره من التنظيمات الجهادية المتطرفة اليوم، داخل المناطق التي تتم السيطرة عليها وإخضاع أهلها بالقوة، حيث لا توجد شروط للقتال، على فرض أن الجهاد يعني القتال، بل يجري قتل السكان المدنيين تحت دعوى أنهم كفار أو مرتدون، ومن ثم يجري تبرير قتلهم، باعتبار القتل جهادا.

لقد أدخلت الجماعات الإسلامية في العصر الحديث عنصرا جديدا في الجهاد لم يكن ممارسا في تاريخ الإسلام. فقد جعلوا منه فريضة دينية مشابهة للفرائض الدينية الأخرى، والفريضة هي الأمر الذي لا يسوغ للمسلم تركه أو التخلي عنه، بحيث يأثم على تركه ويثاب على فعله. واستنادا إلى ذلك أخرجوه من طبيعته كفرض كفاية وجعلوا منه فرض عين، ثم ألغوا ضرورة إذن الإمام فيه وعلقوه على مبادرة الفرد الواحد، مسوغين ذلك بقاعدة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، ثم لجأوا ـ في خطوة ثالثة ـ إلى جعله مرادفا للغزو والاعتداء على الناس العزل، بدعوى الدفاع عن الدين. وهي الأركان الثلاثة التي انحرفت بالمفهوم عن سياقه الديني الشرعي الأول.

الجماعات الإسلامية الحديثة حرفت الإسلام باعتبارها القتال دون مبرر دفاعي فريضة واجبة وهذا أهم مبرر للإرهاب

يعد الباكستاني أبو الأعلى المودودي من الأوائل الذين أخرجوا مفهوم الجهاد عن معناه الأصلي في الشريعة الإسلامية، إلى حيث صار يدل على القتال فقط. ففي كتابه “الجهاد في سبيل الله”، الذي كتبه في بداية الخمسينات، يعتبر المودودي الجهاد ـ بمعنى القتال ـ عنصرا مركزيا في العبادات الدينية؛ إذ يرى أن الأمة الإسلامية لم تتميز عن الأمم الأخرى والأديان المغايرة إلا بهذه الصفة المركزية التي يحتلها القتال في منظومة القيم الدينية. يقول في الكتاب المذكور ” فإذا كان الإسلام نحلة كالنحل الأخرى والمسلمون كغيرهم من أمم العالم، فلا جرم أن الجهاد الإسلامي يفقد بذلك جميع المزايا والخصائص التي جعلته رأس العبادات ودرة تاجها”.

ويرى المودودي أن القتال، ليس مجرد عمل يتم اللجوء إليه عند الضرورة، بل إنه منهج لصيق بالدين الإسلامي نفسه، على اعتبار أن الإسلام يتوفر على منهج انقلابي، بالمعنى الذي يشير إلى إبادة الآخرين.

هذا التصور، الذي يعطي للجهاد مضمونا حربيا، يكاد يقترب به من مدلول الحروب الصليبية التي قامت بها المسيحية في القرون الوسطى، سرعان ما سوف يخضع على يد سيد قطب لتعديلات جوهرية، سوف تعيد بناءه من جديد في البنية الفكرية والعقدية للتيارات التكفيرية، التي وجدت في فكر قطب مسوغا لها.

لقد أدخل سيد قطب مفهوم الجهاد، بمعنى القتال، في جهازه المفاهيمي المركب، بحيث أسبغ عليه نسقا فلسفيا، وجعله جزءا من تصوره العام لبناء “المجتمع الإسلامي” الذي نظر له. وقد أثر هذا التصور القطبي بشكل واسع على الجهاديين بالنظر إلى البعد الفلسفي والأدبي الذي أضفاه على المفهوم.

قطب يربط بين الجهاد والهجوم غير المشروع، وهو مبدأ اعتمدته مختلف الجماعات التكفيرية منذ السبعينات من القرن الماضي وتطور في سياقات مختلفة مع الجماعات الجهادية الحالية

ويقدم لنا تفسير سيد قطب “في ظلال القرآن” البساط النظري الذي وسع فيه مفهوم الجهاد في الإسلام، بناء على الآيات القرآنية. صحيح أن كتبه الأخرى تقدم تصوره للجهاد والتغيير باستعمال القوة القتالية، ولكن هذه الكتابات تظل تجريدية حتى وإن وظفت الآيات القرآنية في تبرير أطروحاتها؛ لكن تفسيره هو ما يعطينا الرؤية الحقيقية لهذا التصور الجهادي. يعتبر قطب أن النواة الصلبة للتغيير، أو الطليعة الجهادية، تشكل “تجمعا عضويا حركيا”، دوره الرئيس هو التبشير بالدين والعمل على نشره عن طريق الجهاد القتالي.

وإذا كان العلماء قد أجمعوا، قديما وحديثا، على أن الجهاد المقصود في الإسلام ـ بمعنى القتال ـ هو جهاد الدفع، لرد هجوم خارجي وحماية دار الإسلام، لا جهاد الطلب، الذي يرمي إلى اقتحام بلدان الآخرين والهجوم عليهم حتى وإن لم يقاتلوا، فإن سيد قطب يعكس المعادلة، ويرى أن الجهاد المطلوب هو جهاد الطلب. وفي معرض تفسيره لسورة التوبة، التي وردت فيها الآيات المعروفة بآيات السيف، نجده ينتقد إثنين من كبار المفسرين هما محمد رشيد رضا ومحمد عزة دروزة اللذان فسّرا تلك الآيات على أنها تعني مشركي مكة الذين نقضوا العهود في زمن النبي، مرتبين عليها أن القتال لم يشرع خارج تلك النازلة.

فبعد أن ساق رأي رشيد رضا، الذي قال إن الأساس في الإسلام هو الدعوة لا القتال، رد قطب بأن رشيد رضا لم يلمس “السبب الأصيل العميق الكامن وراء هذه السلسلة من نقض العهود، وطبيعة الاختلاف الجذري بين منهج الله ومناهج العبيد، التي لا يمكن الالتقاء على شيء منها، وبالتالي لا يمكن التعايش الطويل بين المعسكرات القائمة على منهج الله وهذه المناهج أصلا”.

أما في معرض رده على عزة دروزة، الذي كان له نفس الرأي، فقد قال بعد أن أورد فقرات من تفسيره “وواضح من هذه الفقرات التي اقتطفناها ومن أمثالها في تفسير المؤلف كله أنه ابتداء ـ أي دروزة ـ لا يلقي بالا إلى حق الإسلام المطلق في أن ينطلق في الأرض لتحرير البشرية من العبودية للعباد، وردها إلى الله وحده، حيثما كان ذلك ممكنا، بغض النظر عما إذا كان هناك اعتداء على أهله داخل حدودهم الإقليمية أم لم يكن، وهو المبدأ الذي يقوم عليه الجهاد في الإسلام”.

واضح أن سيد قطب يربط بين الجهاد والهجوم غير المشروع، وهو مبدأ اعتمدته مختلف الجماعات التكفيرية منذ السبعينات من القرن الماضي، وتطور في سياقات مختلفة مع الجماعات الجهادية الحالية، ليصبح دعوة إلى القتل وسفك الدماء، بشكل يضرب في العمق جوهر الدين الإسلامي.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر