الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

في وداع النظارات

النظارة يتطلب وضعها على العين توفر أجزاء أخرى من الوجه، أجزاء يفترض أنها غير ذات علاقة هي تتطلب وجود أذنين أولا وأنفا ثانيا.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/01/19، العدد: 10159، ص(24)]

لا أدري إن كنتم لاحظتم تراجع أعداد النظارات الطبية على وجوه الناس. في زمن مضى ما كان المرء يصعد حافلة نقل عام أو يدخل مقهى دون أن تطالعه العشرات من النظارات مستطلعة فضولية. قبل عقد واحد فقط كنت ترى النظارات على وجوه مقدمي نشرات الأخيار في الفضائيات وكانت هناك مدارس ومذاهب في شكل النظارات.

النظارات في طريقها إلى الاندثار ليس لأن البشرية قد صحت أبصارها ولا لأن العدسات اللاصقة زاد انتشارها، ولكن لأن الناس ما عادت تأبه كثيرا لدقة نظرها وحدته، أو لم تعد تدقق في ما تراه. ومن لا يستطيع تخيل البشر دون عوينات عليه أن يتذكر أن الرجال في عصور خلت ما كانوا يصدقون أن زمنا سيأتي لن يكون فيه مونوكل. والمونوكل هذا كان للرجال فقط ويتكون من عدسة واحدة ذات إطار رفيع وفيها سلسلة، وحين تدقيق النظر يضعها الرجل على إحدى عينيه ويضغط عليها بعضلات وجهه المحيطة بالعين ليثبتها في مكانها. من كان يصدق في مطلع القرن العشرين أن المونوكل وساعة الجيب ذات السلسلة سيختفيان.

النظارة يتطلب وضعها على العين توفر أجزاء أخرى من الوجه. أجزاء يفترض أنها غير ذات علاقة. هي تتطلب وجود أذنين أولا وأنفا ثانيا. الذي ما عنده أذنان لا يستطيع أن يلبس نظارة، هكذا ببساطة. هذه حقيقة اكتشفتها أمس فقط.

أكتب عن معرفة لأني من الذين تخلوا عن النظارة. حينما ارتديتها قبل عقدين كنت مبهورا بدقة الأشياء ووضوحها. ثم بدأ حماسي يخبو بعد أن اكتشفت أن كل ما حققته من حملها هو أني صرت أرى صابون المواعين في المطبخ بشكل فائق الدقة. ولكن من يأبه لصابون المواعين؟ يعني أن تضع جهازا على وجهك فتتوقع أنك سترى مشهدا رائعا يكافئ عناء وضع نظارة غالية: أشجارا ووديانا وبرج إيفل والأهرام على الأقل. لكن شيئا من هذا لم يقع وظل صابون المواعين أو كوب الشاي هو غاية ما تراه.

أذكر أني أول يوم لبست فيه النظارة قابلت أصدقاء أشادوا بها وقالوا: الآن صرنا نرى عينيك واضحتين. كلام خبيث ومضحك طبعا. والنظارات تغير ملامح الوجه وتساعد على التخفي، ومن لا يصدق فعليه أن يسأل سوبرمان أو نبيل فوزي. سوبرمان تراه الملايين طائرا محاربا الجريمة، لكنه ما أن يضع نظارته حتى يصير نبيل فوزي الصحفي في جريدة “الكوكب اليومي”.

هذا ما كان من أمر النظارات الطبية، أما الشمسية الداكنة فسوقها منتعش وأعداد من يضعونها في ازدياد، وخصوصا النساء. وصار ارتداؤها غير مرتبط بضراوة وهج الشمس. يرتدينها صباحا ومساء صيفا وشتاء وتخفي وجوههن. البنات صرن مثل الجواسيس والمخبرين السريين، شكلهن شرير لأنه يخفي العينين: منافذ النظر إلى الروح والوجدان. الإنسان الذي لا ترى عينيه مخيف وخصوصا ذلك الذي يغطي عينيه بعدسات عاكسة مثل المرايا. شيوع النظارات الشمسية يعني أن صناع الإطارات سيظلون عندهم زبائن وإن تراجعت مبيعات العوينات الطبية.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر