الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

مهد الحضارات بلا غناء

حلقة الطائفية المميتة غيرت أشياء كثيرة في العراق، كنهر دجلة الذي انحسر، والمرافق والخدمات التي تكاد تنعدم والأمان الذي لم يعد له مكان لا في الوطن ولا في القلب.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/01/22، العدد: 10162، ص(21)]

فاجأتني إحدى صديقاتي العراقيات عندما كنت أشرح لها معنى كلمة “برشة” في اللهجة العامية التونسية، وأردفت لها مثالا على ذلك الأغنية الشهيرة للمطرب صابر الرباعي “برشة برشة يا مدلل”، وما راعني منها ليس عدم إلمامها بمعاني اللهجة التونسية أو بما يدور على الساحة الموسيقية، بل قولها بالحرف الواحد إنها لا تتابع أي شيء في المجالين الموسيقي والفني، لأنهما بالنسبة إليها من “المحرمات”، ونعتتهما بـ”الملهاة والمضيعة للوقت”.

وجادلتني صديقتي التي لم تتجاوز التاسعة والعشرين من عمرها وتشتغل مدرسة ومربية للأجيال، محاولة إقناعي بأفكارها التي دافعت عنها بتعصب كبير، ولم تترك لي أي مجال لأثري معلوماتها بما توصل إليه العلم بشأن فوائد الموسيقى على صحة الإنسان الجسدية والنفسية.

ولعلها في قرارة نفسها تعرف ذلك، ولكنها ترفض الإقرار به، ولا تريد الجدال مع أحد بشأن ما تحمله من معتقدات، خوفا من قوى الردة التي تثير الرعب فيها، وتحكم العراق وتتحكم في العراقيين وتملي عليهم أمور دينهم ودنياهم، فيجبر البعض منهم على إعلان شيء في العلن فيما يضمرون شيئا آخر في السر.

ولكن الكثيرين تأثروا فعلا بالفكر المتطرف الذي يغذيه رجال الدين المتشددون إلى درجة أنهم أصبحوا يعتبرون الموسيقى فعلا منافيا لقيم الإسلام، وينظرون إلى الجانب الجمالي والروحي في حياتهم على أنه من المنكرات، على الرغم من أن الموسيقى كانت جزءا من مكونات الحضارة العراقية، وتؤكد على ذلك العديد من الشواهد الممتدة في عمق التاريخ، ولعل أهمها الأثر الحضاري المعروف باسم قيثارة أور التي تعود إلى الحضارة السومرية القديمة.

للأسف، كل معاني الحياة ومظاهر الجمال طمرت في العراق الجديد، وحلت محلها نار الطائفية التي شوهت معالم مهد الحضارات وغيرت تركيبة المجتمع، وطمست الهوية الثقافية في البلاد، وأكرهت العديد من الفنانين والأدباء على الهجرة حفاظاً على أرواحهم ونتاجهم الثقافي من التضييق الذي تعرضوا له بعد بروز أحزاب دينية متشددة مدعومة من قبل ميليشيات إيران التي ضيقت عليهم الخناق ومنعتهم من ممارسة أنشطتهم بقوة السلاح.

لقد بنت قوى الردة جدرانا فاصلة بين ماضي العراقيين الجميل وحاضرهم المأساوي، جدرانا فرقت بينهم ومنعت التطور في بلادهم، وأضعفت حقوق المرأة التي كانت في فترة الخمسينات من الرائدات من حيث التعليم والمشاركة في حياة المجتمع.

ولكنها اليوم مستهدفة بشكل خاص، فلم يعد بمقدورها الخروج إلى الشارع بمفردها ولا التعبير عن رأيها بحرية، كما أصبح الحجاب إجباريا على المسلمات والمسيحيات، والخروج من دونه إلى الشوارع يمكن أن يكلفهن حياتهن.

حلقة الطائفية المميتة غيرت أشياء كثيرة في العراق، كنهر دجلة الذي انحسر، والمرافق والخدمات التي تكاد تنعدم والأمان الذي لم يعد له مكان لا في الوطن ولا في القلب.

العراقيون اليوم لا يمتلكون سوى الإيمان بالقضاء والقدر، فأغلبهم افتقد الثقة في أن يحمل له الغد عهدا جديدا من السلام.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر