الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

محضر سري

وزير الثروة الحيوانية عدّل وضعية نظارته وقال بثقة: أنا أعرف البشر فهم مثل بقية الثدييات، سينفذون القرار لو رفعنا أسعار المواد الغذائية وجوّعناهم.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/01/22، العدد: 10162، ص(24)]

يُحكى أن أحد زعماء الماضي كان قد أصدر تعليمات سامية يمنع فيها النساء من لبس المجوهرات. لكن تلك التعليمات لاقت احتجاجا شعبيا كبيرا. ورفضت النساء تنفيذها. أحس الزعيم بالحرج الشديد. كيف يأمر بشيء ويتجاهله الناس؟ وأخذ يبحث عن حل.

وبعد مرور عقود على هذه الحكاية، تسرّب إلينا المحضر السرّي للاجتماع الذي عقده الزعيم لمناقشة الأمر. فقد قال وزير الثقافة حينها: أيها الزعيم الحكيم، لا بد من التراجع عن هذا القرار. ولا عيب في التراجع عن خطأ غير مقصود. يمكننا أن نصدر سلسلة من الكتب عن وزارتنا تتحدث عن فضيلة العودة عن الأخطاء. وقال وزير الدفاع: لن نتراجع. فنحن الدولة، والدولة لها هيبة، ولا يجب أن نظهر ضعفاء. وقال وزير الخارجية: علينا أن نستشير القوى الدولية الحليفة لنا.

وزير الثروة الحيوانية عدّل وضعية نظارته وقال بثقة: أنا أعرف البشر. فهم مثل بقية الثدييات، سينفذون القرار لو رفعنا أسعار المواد الغذائية وجوّعناهم. أما وزير التكنولوجيا فقال مبتسما: نرفع الحظر الذي فرضناه على الفيسبوك. فيتناقش الناس في ما بينهم ويختلفون، وتندلع بينهم النزاعات. ويشتمون بعضهم البعض. وينسون أن المشكلة كانت مع قرار دولة الزعيم.

وزير الأوقاف والشؤون الدينية اقترح أمرا آخر، قائلا: يا سيدي أطال الله بقاءك. أنت وليّ الأمر، وخليفة الله على عباده، وما تقوله يمكننا أن نصدره على شكل فتوى، فيأمر الرجال نساءهم بتنفيذ الفتوى خشية معصية الله عزّ وجل. أما وزير الداخلية فقال غامزا بعينه: الأمر بسيط. نعلن أن هناك هجوما وشيكا للمتطرفين، وأن معلومات تسرّبت إلينا بأن الإرهابيين سيستخدمون قنابل على شكل مجوهرات. فنرعب المجتمع، وينتهي الموضوع.

بقيت وزيرة شؤون المرأة صامتة. سألها الزعيم عن رأيها، فقالت: من حق المرأة أن تتزين. لكن ليس من حقها مخالفة القانون مهما كان. بالتالي فإننا لو طرحنا استفتاء جماهيريا نسأل النساء فيه السؤال التالي “اختاري بين اثنين. الزينة أو الغرامة المالية؟” حينها سينفذ الناس القرار بدلا من دفع مبلغ الغرامة.

أما وزير الإعلام فقال بعد أن تنحنح: يمكننا أن نشنّ حملة إعلامية في الصحف والتلفزيونات. نقول فيها إن المرأة التي تضع المجوهرات إنما تعبّر عن فجور وفسق وخيانة وطنية.

بلع الزعيم ريقه بعد سماعه تلك الآراء. وقرّر استدعاء مفكر معتزل ابتعد عن السياسة ووجع الرأس. سأله عن رأيه. فقال الرجل: لن يطيعك الناس إذا كنت تفكر في ما تريده أنت، لا في ما يريدونه هم. أقترح أن تصدر قرارا جديدا تقول فيه “يُمنع على النساء ارتداء المجوهرات والحلي. لأن الجميلات لسن بحاجة إلى التجمّل” وضع للقرار ملحقا تقول فيه “نستثني النساء القبيحات وكبيرات السن من هذا المرسوم، فيمكن لهن لبس المجوهرات لإخفاء قبحهن”.

أصدر الزعيم قراره الجديد، كما قال المفكر. ولم يعد أحد يرى امرأة واحدة تلبس خاتما أو إسوارة أو طوقا أو غيره.

في ذلك الزمان البعيد، أما كان يمكن للزعيم ألا يصدر أصلا هكذا قرار عبقري بدلا من كل تلك الحلول؟

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر