الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الجهاد.. لعنة تطارد بؤساء يتربصون بأولياء النعم

بؤساء ناقمون على أولياء النعم في 'ديار الكفر'، ينتظرون وصول جيوش الإسلام لتطهير الأرض من غير المسلمين، ويورثون أبناءهم هذه الكراهية.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/01/26، العدد: 10166، ص(9)]

من باب الزهو الزائف وتقديم العزاء للنفس ولأنفس أصابها التشوه، يستنسخ “الدعاة” مفارقة عمرها يزيد على 130 عاما للإمام محمد عبده، حين سافر إلى باريس عام 1884، فقال “تركت في بلدي إسلاما بلا مسلمين، ووجدت في أوروبا مسلمين بلا إسلام”.

يحلو لجمهور “الدعاة” إعادة مضغ هذه المقولة، وهم يستمرئون بيع بضاعتهم لفقراء الروح، فيحيون على أمل سقوط أوروبا في أيديهم، ثمرة ناضجة بعد “جهاد” يوقنون أنه آت، وسيكونون من جنوده، لكي يبث الأذان من مكبرات الصوت فوق برج إيفل خمس مرات في اليوم، ويجبر الناس على الإسلام. من هؤلاء زملاء شقاء الصبا في الحقول لم يواصلوا دراستهم، وزملاء دراسة أنهوا تعليمهم، وضاقت مصر بهؤلاء وهؤلاء، فسلكوا في أرض الله الواسعة سبلا، عبر هجرات سرية نجوا فيها من الموت بمعجزة، في مغامرات بعضها مقامرات بالأرواح، واحتضنتهم عواصم أوروبية، تؤوي الضعيف، وتطعمه من جوع، ويأمن فيها الخائف، من دون أن تسأله عن عِرقه أو دينه أو مذهبه. مضى بهؤلاء وهؤلاء العمر، وكبر أبناؤهم وتمتعوا بجنسيات هذه الدول، ولا يفكرون في التنازل عنها، ولا الاستغناء عن التأمين الصحي وغيره من مكتسبات “دولة القانون”، وحين يزورون مصر في مناسبات دينية لا يكفون عن ترديد مقولة الإمام محمد عبده، من دون أن ينسبوها إليه، ثم يسارعون إلى العودة إلى بلاد يتهمون أهلها بالكفر، ويحلفون أن مصيرهم جهنم خالدين فيها أبدا، على الرغم من أنهم “طيبون” لا ينقصهم إلا أن يدخلوا الإسلام، فيفوزوا بالجنة.

تسأل هؤلاء وهؤلاء عن سر تقدم دول أوروبية عاشوا فيها زمنا ولا يزالون، وينعم أبناؤهم بالتعليم في مدارسها وجامعاتها، فيجيبون بلا تردد: لأنهم، رغم الكفر، يطبقون تعاليم الإسلام: إخلاص وانضباط في العمل، واحترام للوقت، والتزام بالقانون، وعدالة اجتماعية تضمن حدا أدنى من الكرامة الإنسانية. ولن يشير هؤلاء وهؤلاء إلى مساواة “إنسانية” يلمسونها في الغرب، وقد ذكرها القرآن في آية تنتهي بالقول “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”، وهي موجهة إلى الإنسانية، إذ تبدأ بنداء “يا أيها الناس”″ من دون الإشارة إلى المسلمين.

لن تجد من هؤلاء وهؤلاء إجابة عن أسباب تأخر المسلمين، وإخفاق تعاليم الإسلام واستعصائها على التطبيق في “ديار الإسلام” لعشرات القرون. ولن تفلح في إقناعهم بأن الأوروبيين لا يستنسخون “تعاليم الإسلام”، ولا يعرفونها ولا تعنيهم، ولا يشعرون بالنقص لأنهم يجهلونها، وأن لهم نبيا اسمه عيسى، ولا يشقون في البحث عن نبي غيره، وأن التقدم لا علاقة له بالدين، أي دين؛ ففي أقصى الشرق دول متقدمة لا علاقة لمواطنيها بالديانات الإبراهيمية، وفي الغرب مراحل سطا فيها رجال الدين على البلاد، فوقعت جرائم على أيديهم أو بتحريض منهم، ثم اعتذروا عن بعضها بعد عدة قرون، ولكننا نحرص على استنساخ تلك العصور الوسطى وقلوبنا مطمئنة بالإيمان.

بعد تجربة الشيخ محمد عبده، سافر إلى فرنسا تلميذه مصطفى عبدالرازق أستاذ الفلسفة الذي صار شيخا للأزهر. غادر مصر بروح تفيض بالإيمان، فشرح الله صدره لكل الناس، وأولهم هندوسي قابله على السفينة، وتتجلى سماحته “الإنسانية” حتى وهو يسجل ذكرياته قائلا “لا أهين البقر ولكنني لا أعبده”، إذ ساءه ما قرأ عن معارك نشبت بين المسلمين والهندوس في الهند “من أجل بقرة يريد أولئك أن يمتهنوها، وهي عند هؤلاء مقدسة… فيا ليت المسلمين والهندوس لا يتناحرون من أجل حيوان معبود!”. تمتع الرجل بتحضر ووعي، فلم يمارس استعلاء على أحد، وآمن بأن الحكمة ضالة المؤمن، وراجع أفكاره في ضوء ما يراه من حياة خالية من العقد الشخصية والتاريخية، وكتب عن رحلته التي استمرت بين عامي 1909 و1914، مستعرضا أمورا شتى بعضها لا يجرؤ شيخ للأزهر ولا لغير الأزهر على أن يقترب منه، أو يشير إليه، مثل الرقص “الرقص مهما يكن من شأنه فهو من متاع المدينة، ونحن لا نزال نلمس من المدينة ما يسد الرمق… لا تخلو الأمم من الرقص إلا فترات في عهود الانقلابات الخطيرة، أو الفتن العاصفة”. ويسجل بعفوية أنه دعي إلى عشاء في مطعم باريسي شهير بطعامه ولهوه، فقبل الأول واعتذر بلباقة عن الثاني “وأما رقصكم فلا حاجة لي به”، وفي النهاية يقول “ثم إن لي طفلة أخاف إذا كبرت أن تدري أن أباها رقص”، ولم يصرخ بكلام عن الفضيلة، أو يستخف بلهو بريء أو غير بريء. وسيكتب الشيخ نفسه عن أم كلثوم، ويطلق عليها عام 1925، لقب أميرة الغناء في وادي النيل، وأنها “نعمة من نعم الدنيا”، ويرى أنه “من الغريب أن بعض سيداتنا يسدلن النقاب على وجوه أذن الله أن تكشف”.

الرحلة الباريسية أكسبت الشيخ مصطفى عبدالرازق تحضرا وأفقا إنسانيا رحبا، فقال إنه يحب باريس “حبا جما… باريس موجود حي، تنبعث الحياة من أرضه وسمائه، وصبحه ومسائه، ورجاله ونسائه. باريس عظيمة بكل ما تحتمله هذه العبارة من معاني الحياة والإجلال والجمال والذوق والانسجام والخلود… باريس عاصمة الدنيا، ولو أن للآخرة عاصمة لكانت باريس″.

مثل هذا الشيخ الجليل لا تمس قلبه كراهية لإنسان، ولا يورث أبناءه إلا محبة الناس. ولكن الإسلام ابتلي في العقود الأخيرة بفريقين من المسلمين، لا يحلم أعداء الإسلام بالإساءة إليه بأكثر من هذين:

أولهما بؤساء يعيشون في “ديار الإسلام”، عاطلون عن الخيال، ويحلمون بفتح “باب الجهاد”؛ فيستبدلون بتخلفهم وعجزهم عن إفادة البشرية ما يرونه عزا تبشرهم به أحاديث تفهم في سياقها التاريخي، ولا يلزم الإسلام إعادة الروح إليها، مثل “وجعل رزقي تحت ظل رمحي”. وحين أتيحت فرصة “الجهاد” كان ضحاياه من ذوي القربى، مسالمين لا يقاتلون وفوجئوا بأنهم يباعون رقيقا أو يطردون.

وثانيهما بؤساء مهانون ناقمون على أولياء النعم في “ديار الكفر”، ينتظرون وصول جيوش الإسلام، لتطهير الأرض من غير المسلمين، ويورثون أبناءهم هذه الكراهية، فيستعجل الأبناء وصول طلائع “المجاهدين”، أو يذهبون إليهم ليحظوا بشرف المشاركة في إطلاق الزحف الداعشي المقدس.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر