الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

طقوس ومعان تمتزج مع روائح الخبز

  • وراء كل رغيف خبز تجتمع خبرات وثقافات وذكريات وطقوس دينية واجتماعية تحكي قصص شعوب ابتكرته وأخرى تكافح لنيل قضمة منه.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/01/26، العدد: 10166، ص(21)]

تدافع على سلعة تستحق

الخبز ليس مجرد عملية مزج بين الطحين والماء والخميرة، وإنما خلف هذه العملية الكيميائية تجتمع طقوس دينية واجتماعية واقتصادية، تحكي قصص شعوب ابتكرته، وأخرى مستعدة لأن تفعل أي شيء من أجل نيل ولو قضمة منه.

ووراء كل وصفة خبز خبرات وثقافات وذكريات يمكن أن تعود إلى حوالي عشرة آلاف سنة عندما أتيحت للإنسان فرصة تذوق أول رغيف من الخبز.

وقد كان الخبز آن ذاك مكونا من طحين الشعير والماء كأول تطبيق لصناعة الأغذية من الحبوب في تاريخ البشرية.

ويحتفل العالم باليوم العالمي للخبز يوم 16 أكتوبر من كل عام باعتباره أهم غذاء عند الشعوب منذ أقدم العصور.

وتتعدد الروايات بشأن رغيف الخبز الذي اكتسب في العديد من الثقافات مكانة هامة تجاوزت كونه مجرد طعام، حتى أن أغلب المجتمعات العربية والإسلامية ما زالت إلى اليوم تنزله منزلة النعم التي منّ بها الله على عباده، ولذلك فعندما يصادف شخص مسلم قطعة خبز في طريقه يتحاشى الدوس عليها بقدمه، ويقبلها ويضعها في مكان نظيف وبعيد عن مواطئ الأقدام.

كما يحمل الخبز عند المسيحيين دلالات مقدسة نظرا لأن السيد المسيح قد استخدم الخبز والنبيذ كرموز لجسده ودمه، وأمر أتباعه أن يحفظوا هذه الشعيرة، ولذلك يجتمع المسيحيون في أماكن عبادتهم في مختلف كنائس العالم ويأخذ كل واحد قطعة من الخبز ورشفة من النبيذ، متذكرين موت المسيح من أجلهم.

ورجحت بعض الأبحاث أن المصريين القدماء أول من صنع الخبز وأضافوا إليه الخميرة بعد أن اكتشفوها في الأعشاب البرية، كما طوروا الأفران خصيصا لذلك الغرض.

53 بالمئة من دول العالم يمثل الخبز لديها أهم الأطعمة المستهلكة لدى شعوبها

أما قدماء الإغريق فتعلموا صناعة الخبز من المصريين، وقاموا بدورهم بنقل ذلك إلى الرومان، وبحلول القرن الثاني ميلادي عمت صناعة الخبز معظم أنحاء أوروبا.

وظلت معظم الشعوب ولمئات السنين تتناول الخبز المُعد من الدقيق الكامل أو الأسمر، ولم يكن الخبز الأبيض متاحا لجميع الناس بسبب اختلاف المراتب الاجتماعية، فالطبقات الأكثر فقرا تستخدم الخبز المصنوع من الشعير ذي الكسرة الداكنة، بينما تتغذى الطبقات العليا على الخبز المصنوع من القمح ذي الكسرة البيضاء.

أما اليوم فيصنع الخبز بأشكال وألوان وأحجام مختلفة، ويتكون في الغالب من طحين القمح أو الذرة أو الشعير مع إضافة الماء والملح والخميرة، ويمكن أن تدخل في صناعته أيضا عدة مواد غذائية، مثل السكر والفواكه والتوابل والخضروات والمكسرات.

وعلى الرغم من أن الكثير من الأشخاص حول العالم مقتنعون تماما بأن تناول الخبز يؤدي إلى زيادة الوزن، فهو يمثل أكثر من نصف الطعام المستهلك في 53 بالمئة من الدول، وأكثر من 30 بالمئة من الغذاء الذي يتناوله 87 بالمئة من سكان العالم.

ولا يكاد الرغيف يغيب عن طاولة الطعام في مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ كثيرا ما يعبر مواطنون مغربيون عن استعدادهم للعيش على الخبز والشاي كدليل على رضاهم وقناعتهم.

وأشارت الإحصائيات إلى أن في المملكة المغربية التي لا يتخطَّى تعدادها السكانِي 30 مليونا، يباعُ 105 ملايين رغيف يوميا، أي بمعدل 3 خبزات لكلّ فرد.

أما الشعب المصري فيسميه بـ”العيش” لأنه لا يستطيع العيش من دونه، ويعتمد عليه في غذائه بشكل أساسي.ويحصل المواطن المصري على 5 أرغفة يوميا من خلال البطاقة التموينية أي بإجمالي 150 رغيفا شهريا.

105 ملايين خبزة تباع في المغرب يوميا، أي بمعدل 3 خبزات لكل فرد

كما كان الخبز محور انتفاضة كبيرة عاشتها البلاد التونسية في يناير سنة 1984، مما جعل الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة يتراجع ولأول مرة عن القرار الذي اتخذه بشأن الترفيع في سعره. ورفع التونسيون أيضا خلال ثورة 14 يناير 2011 شعار “خبز وماء” وهو شعار له علاقة بحبهم للخبز الذي يستهلكون منه الكثير يوميا ويرمون منه في القمامة أو يقدمونه للحيوانات كعلف ما يُقدّر بنحو 100 مليون دينار سنويا، حسب ما أكدت بعض الإحصائيات الرسمية.

ويجمع التونسيون على أنهم شعب “خبزيست”، في إشارة إلى إفراطهم في أكل الخبز الذي يستهلكونه في وجباتهم الثلاث الرئيسية.

ويتصدر الشعب السعودي المرتبة الأولى عالميا من حيث استهلاك الخبز، وأيضا من حيث الكميات التي يهدرها. وتتباهى معظم دول العالم بصناعة الخبز، الطعام الأكثر انتشارا على الموائد في جميع الأوقات والوجبات.

ويفتخر الباريسيون بصناعة خبزة “الباغيت” التي أصبحت عبارة عن رمز وطني لفرنسا، إذ يتوافد عليها سنويا طلاب من حول العالم، بدافع تعلم أسرار خبزها، الذي استهوى شعبها نفسه إلى درجة أن الكثيرين تخلوا عن مهنهم الأصلية والتحقوا بركب صناعته. وتتباهى المحللة السياحية الفرنسية ستيفاني كورتيس بخبزة “الباغيت” التي يبلغ طولها 50 سنتيمترا و”خبزة باريس”″ نظرا لأنهما بالنسبة إليها يعبران عن الهوية الباريسية أكثر من قوس النصر وبرج إيفل.

وانفردت ألمانيا بإقامتها متحفا عالميا للخبز عام 1955 يؤرخ لصناعة الخبز، ويتكون من عدة أقسام تشمل تاريخ تقنيات صنع الخبز بالإضافة إلى التاريخ الاجتماعي والثقافي للخبز والجوع، ويتضمن أيضا أكثر من 6 آلاف كتاب محورها الخبز.

ويعتبر الخبز غذاء هيدركربونيا هاما إذا كان معدا من القمح الجيد ومخبوزا بطرق صحية سليمة، وله قيمة غذائية كبيرة لأن كل مئة غرام منه تعطي 279 سعرة حرارية.

وتصنف الأبحاث العلمية الخبز الجاف الخفيف على أنه أفضل أنواع الخبز من حيث قابليته للهضم، فيما يحتوي الخبز الأسود المصنوع من الحبوب، بما في ذلك قشورها أو ما يعرف بـ”النخالة”، على عناصر لا تتسبب في تكوين الدهون في البطن إلا بقدر قليل مقارنة بالخبز الأبيض الذي يتكون في غالبيته من النشويات.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر