السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

صحافة القيل والقال

إعادة الصياغة وإنتاج العناوين والبحث عن حد أدنى من التغطيات تبعد الوسيلة الإعلامية عن نمطية صحافة القيل والقال وتحرك الأجواء باتجاه مشاركة أعمق من طرف القارئ والمشاهد والمستمع.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/01/26، العدد: 10166، ص(18)]

يعج العالم العربي بقصص شتى تغوي الصحافة والصحفيين لغرض المتابعة أو هي تتدفق عليهم صباح مساء لا سيما قصص الصراعات المشتعلة وحال المجتمعات العربية التي ضربتها عاصفة الربيع العربي وكيف أصبحت من بعده.

وبسبب هذا التدفق الخبري والمعلوماتي وتيسّر النقل من مصادر الأخبار من وكالات وصحف ومواقع إلكترونية، فقد صرنا أمام نوع من المتابعات والمقالات القائمة على السماع وعلى النقل عن فلان عن فلان كما هي الحكايات والمرويات الشفاهية التي تصل أحيانا إلى درجة التهويل والافتعال والتضخيم وتغيير الحقائق. علامة ذلك ما صار شائعا في شكل (موضة) إعلامية، أن عند هذه الوسيلة الإعلامية الخبر اليقين لهذا يتم النقل عنها مع قدر من التعديل ومعلومة من مصدر ثان وثالث، وهكذا تكتمل القصة وشكرا لوكالات الأنباء التي تتدفق أخبارها على مدار الساعة.

هذا النوع من الصحافة القائمة على نوع من (الإجماع الصحفي) أنتج صحافة نمطية تقتفي أثر الآخرين من دون أن تجد لنفسها تفرّدا في كيفية الخروج من القيل والقال الصحفي بحصيلة مميزة ومبتكرة ومختلفة، ولهذا صارت المواقع الإخبارية على الإنترنت تتشابه حتى أنك تجد أن الخبر نفسه وقد تم نقله واستنساخه وإعادة نشره كما هو بلا كثير من الجهد على مستوى التحرير ومراجعة المتن الإخباري بشكل معمق.

لا شك أن ما يريح القارئ أكثر هو أن يستمع ويقرأ وجهات نظر متعددة في القصة الواحدة حتى ولو بدت متعارضة وحتى متناقضة لكي يخرج هو باستنتاج بخصوص القصة التي تعرض أمامه لكن بعض إعلام اليوم صار في أغلب الحالات يقدم وجهة نظر واحدة فقط وعلى القارئ القبول بها كما هي وانسحب ذلك على الاستشهاد بشخصيات أو بتعليقات مواطنين فكلها تصب في الغاية نفسها، وبذلك أنتج هذا النوع من الصحافة قارئا ومتبعا نمطيا هو الآخر معطّل العقل والحواس، مدمنا على نوع سائد من الأخبار لا يقبل تعديلا ولا إعادة نظر.

البحث عن التفرد والتميّز هو هدف كل وسيلة إعلامية طموحة من دون شك، لكن تلك غاية لا تُدرك في ظل تلك النمطية السائدة التي تكرر بلا نهاية ما يُنشر مرات ومرات بنفس المتن والمحتوى وحتى العنوان، هنالك بالتأكيد ذكاء صحفي ميداني قادر على استخدام الزوايا ووجهات النظر المتعددة لعرض الحقائق والأفكار، وفي الأقل إعادة الصياغة وإنتاج العناوين والبحث عن حد أدنى من التغطيات تبعد الوسيلة الإعلامية عن نمطية صحافة القيل والقال وتحرك الأجواء باتجاه مشاركة أعمق من طرف القارئ والمشاهد والمستمع.

هو إذا خروج عن نمطية صحافة (الأخ الأكبر) صحافة الهيمنة التي طالما اشتكى منها الإعلام دهرا في ظل الأنظمة الشمولية، وإبان صعود المعسكر الشيوعي ذلك التاريخ الذي تركته البشرية وراء ظهرها، فكيف يعود اليوم إلى عالم الصحافة ولكن بقوالب جديدة؟

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر