الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

قضية الأقليات والتفسير الانعزالي للدين

تنامي الفكر المتطرف وانتشار الجماعات المتشددة، التي تقدم نفسها ناطقة باسم الإسلام، لا يشكلان فحسب تهديدا للأقليات المتواجدة داخل العالم العربي والإسلامي، بل وكذلك للمسلمين أنفسهم.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/01/28، العدد: 10168، ص(7)]

أن يحتضن المغرب مؤتمرا دوليا حول حقوق الأقليات في العالم الإسلامي شيء يستحق التنويه، لكن أن يوجه المؤتمر نداء للتعايش ضد الإقصاء والطائفية والانغلاق الديني فهذا مؤشر على الوعي الذي بات ينتشر في صفوف المسلمين في العالم أجمع، مسؤولين وعلماء ومفكرين وباحثين ومواطنين، بشأن المخاطر التي أصبحت تهدد النسيج الاجتماعي والتركيبة المذهبية في البلدان العربية والإسلامية في السنين الأخيرة، بعد أن ساد خطاب ديني انعزالي وطائفي يرمي إلى رفع أسوار من الحقد والكراهية بين المكونات المتعددة التي تعايشت على مر القرون من دون أن يثير ذلك أي نعرة من أي نوع كان.

مؤتمر مراكش الذي عقد تحت عنوان "حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية.. الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة" سار في هذا التوجه، والمنتظر اليوم أن تنتقل التوصيات والأوراق التي ألقيت داخل القاعة إلى العالم الفسيح لكي تصبح ثقافة مشتركة بين مختلف الأطياف والمذاهب في أرجاء العالم الإسلامي، لا أن تكون مجرد كلمات إدانة يتم نسيانها في ما بعد، مثلما يحصل في عدد كبير من المؤتمرات الدولية التي سرعان ما تنسى بمجرد أن يجف المداد الذي كتبت به التوصيات.

ما يجري اليوم في قضية الأقليات والمذاهب في العالم العربي والإسلامي شبيه بما جرى في نهايات القرن التاسع عشر وبداية القرن الموالي في هذه المنطقة، فقط تغير المناخ السياسي والفاعلون الذين يقفون وراء تحريك ورقة الأقليات والطائفية.

بعض حالات النقد والهجوم التي تحصل في الضفة المقابلة ضد المسلمين بشكل عام، خصوصا في العالم الغربي، تخدم في النهاية هذا الفكر المتشدد والانعزالي

فالجماعات المتطرفة التي تنسب نفسها إلى الإسلام، وتؤسس خطابها الديني على إقصاء الأقليات وعلى الكراهية، تؤدي نفس المهمة التي أداها الاستعمار الغربي في الماضي؛ ذلك أن الإثنين معا هدفا إلى تحقيق غرض واحد، هو تفكيك الوحدة الاجتماعية التي كانت قائمة في البلدان العربية والإسلامية. بيد أن الحاصل اليوم يزيد على ما سبق، إذ إن ما يقوم به المتطرفون باسم الإسلام في الوقت الحالي يضاعف الوضع الذي يوجد في حالة تفكك أصلا، ويزيد في تأزيم الواقع، ويعد بمثابة استمرار للسياسة الاستعمارية القديمة، التي كان هدفها خلق حالة من الحقد بين مختلف الأقليات والطوائف، لإعادة صوغ المشهد السياسي.

لقد خضع الإسلام لكثير من التشويه والتعسف في توظيف مبادئه العليا لخدمة أهداف حقيرة وغير إنسانية، وأعطى المتطرفون عنه صورة على درجة كبيرة من السوء والسلبية، حتى صار من الصعب إفهام الإسلام لغير المسلمين وفقا لما هو عليه في أصله، وتنقيته مما لحق به من تحريف، أمام كل ما علق به من أفهام وتصورات وانطباعات أصبحت هي القاعدة الطبيعية في النظر إلى الدين وتقييمه لدى الآخرين، وفي ظل الانتقادات التي توجه إلى الإسلام بشكل عام، انطلاقا من ممارسات وأفكار المتشددين، تزداد هذه الصعوبة اليوم، ولذا فإن المجهود يبدو مضاعفا في مهمة التصحيح، إذ علاوة على التصدي للجماعات المتطرفة، هناك مهمة تقديم الإسلام على صورته الحقيقية.

يتضمن خطاب المتشددين تناقضا رئيسا يخفي الرسالة الجوهرية للدين، ففي الوقت الذي يقول فيه المسلمون إن الإسلام دين للعالمين، بما يعني عدم التمييز بين أتباع المذاهب والأديان، واستيعاب التعدد والتنوع بداخل المجتمع الإسلامي الواحد، هناك ميل إلى النظر إلى الإسلام باعتباره “دينا متحيزا” لجماعة معينة هي الجماعة المسلمة. إن الإسلام هو إحدى ديانتين إثنتين، بعد المسيحية، الذي يعد دينا موجها إلى الإنسانية جمعاء، ولكن أفعال المتشددين وأفكارهم التبشيرية تدعم التوجه الطائفي والعصبوي، بما يحول الإسلام إلى رديف أو معادل موضوعي للنزعة القومية الضيقة، وهكذا يتحول الإسلام من دين للعالمين إلى دين للعصبة الواحدة ذات الفكر الانعزالي.

الواقع أن تنامي الفكر المتطرف وانتشار الجماعات المتشددة، التي تقدم نفسها ناطقة باسم الإسلام، لا يشكلان فحسب تهديدا للأقليات المتواجدة داخل العالم العربي والإسلامي، بل وكذلك للمسلمين أنفسهم، ولهذا السبب نعتبر أن بعض حالات النقد والهجوم التي تحصل في الضفة المقابلة ضد المسلمين بشكل عام، خصوصا في العالم الغربي، تخدم في النهاية هذا الفكر المتشدد والانعزالي، لأن هدف هذا الأخير هو الدفع نحو إنجاح هذه الأطروحة واعتمادها بشكل رسمي من لدن غير المسلمين، حتى يتسنى له أن يمد نفوذه وأن يجعل خطابه هو الخطاب السائد والمعتمد، ولذا فالحرب ضد التشدد والإرهاب باسم الدين يتعين أن تكون حربا مشتركة بين الجميع، باسم الدفاع عن التسامح والتعايش، وعوضا عن النظر إلى هذه الحقبة التي انتشر فيه التطرف والنزعة الانعزالية في الدين، يجب النظر إلى قرون مديدة من التجاور والتعايش شكلت نموذجا إنسانيا راقيا.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر