الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

العراق جميل في عيون شاعر الطفولة

ما يحزنني يا صديقي الشاعر أنني أحببت كل شيء عراقي تعرفت عليه، لكنني لا أرى في عراق اليوم سوى رجل دين بدين بعمامة سوداء أو بيضاء يضحك على الناس ويكذب عليهم.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/01/29، العدد: 10169، ص(21)]

سعدت برد الشاعر العراقي الرقيق جليل خزعل على مقالي الذي نشر في هذه المساحة الأسبوع الماضي، وسعادتي تكمن في أن مثل هذا الشاعر -الذي أصدر ستين كتابا في ثقافة الأطفال ومجموعات شعرية كثيرة، وكتب النصوص الغنائية لبرنامج الأطفال الشهير "افتح يا سمسم"، وترددت قصائده المغناة بين شفاه الطفولة العربية- يختلف معي في الرأي "الذي لا يفسد للود قضية"، فهو يرى أنني أتحدث عن بيئة عراقية أجهلها، نظرا لأنني لم أزر العراق ولو مرة واحدة، وقد كونت وجهة نظري انطلاقا من قراءاتي ومتابعاتي، وهو محق في ذلك ولكن في حدود معينة.

شاعر الطفولة قال عبر حسابي في فيسبوك إن صديقتي العراقية التي تحدثت عن موقفها من الغناء والفن حين نعتتهما بالمحرمات والملهاة والمضيعة للوقت "مواطنة واحدة في بلد فيه أكثر من 35 مليون نسمة، وهي لا تصلح أن تكون عينة ممثلة للمجتمع العراقي اليوم أبدا".

وأضاف "في العراق معاهد وكليات رسمية للموسيقى، وأنا أعمل في واحد من هذه المعاهد (معهد الدراسات الموسيقية المعهد الذي تخرج منه نصير شمة، وكاظم الساهر وفريدة محمد علي وسامي نسيم وغيرهم). وفي العراق مدرسة متميزة جدا لا مثيل لها في الشرق الأوسط هي (مدرسة الموسيقى والباليه) التابعة لوزارة الثقافة التي كان لي شرف العمل فيها لأكثر من عقدين مدرسا ومديرا، ولدينا فرقة سمفونية من طراز عالمي".

وأشار "المواهب العراقية الشابة تحصد الجوائز في كل المسابقات الفنية في مجال العزف والغناء عربيا وعالميا. ولا مجال هنا لذكر الأسماء فهي لا تعد ولا تحصى".

وأوضح أن "الصورة مبالغ فيها جدا، والعراق يبقى العراق، وهو بخير ما دام فيه طفل يعزف وفراشة تحلق، وورود تتفتح كل صباح، ولا أحد يعرف مصلحة العراق غير أبنائه النجباء الصامدين على أرضه في كل الظروف".

وختم قوله "من المؤسف أن تصدري أحكاما مسبقة على مجتمع أو بلد لم تتح لك فرصة زيارته".

ولست هنا بصدد الاعتراض عما قاله الشاعر جليل خزعل، ولكني أعتقد أن وصفه الجميل لصورة العراق اقتصر على توقه الشخصي بوصفه شاعرا رقيقا يحلم بمثل هذا الجمال مثل كل العراقيين، لكن الواقع المرير في العراق وللأسف يشير إلى الموت المتصاعد وغياب حقيقي للثقافة والفن.

ومن وجهة نظري، فالعراق الذي طحنته أربع حروب وأربعة انقلابات وحصار دام أكثر من ثلاث عشرة سنة وحصحصته الأحزاب الدينية والميليشيات الطائفية في ما بعد، لم يعد كما كان واحدا وموحدا أبدا، وصورته مهما جملت تظل قاتمة، ولهذا كان ردي كالآتي:

عزيزي الشاعرالطفولي الرقيق، ما ذكرته عن المعاهد الموسيقية كان دقيقا جدا، لكنك تدرك بالتأكيد أنك تتحدث عن مرحلة كان العراقي فيها يعلو بوطنيته على حساب طائفيته، لذلك تخرج من المعهد الذي ذكرته نصير شمة وبقية الأسماء…، أما اليوم فأنت تعرف أن العراق المحكوم من قبل أحزاب إيران والميليشيات الطائفية وداعش لا ينتجج غير ثقافة النحيب والقطيع الذي يقضي أياما يمشي نحو القبور والخرافة التاريخية.

العراق الذي هدم التماثيل التي نحتها فنانون تخرجوا من المعاهد التي ذكرتها وشرد مطربين وموسيقيين، السطوة فيه لرجل دين متخلف، وليس لعازف سنطور أو جوزة أو ناي، لذلك ليس بمقدوره اليوم أن يجود بمائدة نزهت وفاضل عواد وسعدون جابر ولميعة توفيق وسيتا هوكبيان… لكنه يتخرج المئات من أمثال مقتدى الصدر والبغدادي وأبي درع وأبي عزرائيل وحشد من الطائفيين.

ما يحزنني يا صديقي الشاعر أنني أحببت كل شيء عراقي تعرفت عليه، لكنني لا أرى في عراق اليوم سوى رجل دين بدين بعمامة سوداء أو بيضاء يضحك على الناس ويكذب عليهم، والغريب الغريب أن العراقيين لا يثورون على واقعهم البائس.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر