الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

بين العصر والمغرب

بين 'العصر' الذي كان يجب أن ننتمي إليه ونعيش فيه، و'المغرب' الذي تغيب فيه شمس مجتمعاتنا. كان علينا أن نكون أكثر صحوا مما كنا عليه.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/01/29، العدد: 10169، ص(24)]

قبل أيام رحل عن عالمنا مصمم الأزياء العالمي وليام خوري. ومن لا يعرف من هو وليام خوري، عليه أن يعود إلى اليوتيوب. ليشاهد التصاميم الخرافية التي كانت ترتديها "عروس البادية العربية" كما كانت تسمى. فخوري كان قد صنع أكثر من 1500 ثوب لسميرة توفيق، أشهرها ذلك التصميم الفاتن الذي سمّاه "الفراشة". يومَها كان الجمهور العربي يجد الوقت للتعلق بغمزات عيني "سميرة غسطين كريمونة" النجلاوين في الحفلات. أو بتلك الشامة التي تضعها بالكحل ثم تمحوها وتغير مكانها كل مرة، فيتساقط المعجبون يمينا ويسارا لهول التأثير.

كانت سميرة توفيق علامة لجيل مختلف بدوره. يتقاطر فلاحوه وبسطاؤه وحتى نخبه، من كل القرى والمدائن العربية لحضور حفلاتها ومشاهدة أفلامها وشراء أشرطتها. ومازلنا حتى اللحظة ندفع ثمن غفوة ذلك الجيل الطويلة على الأنغام الحماسية ما بين الخيّالة والفرسان والبوادي.

لكن الجيل ذاته الذي صنع مزاج ذلك الزمن لم يكن جيلا ينفّذ مؤامرة مدبّرة. بقدر ما كان يزدهر هو الآخر، مطوّرا حقله المعرفي المتمثل بالفنون. ليس لسحق الناس طربا. بل لإنعاش العلم الموسيقي ذاته.

كان من بين هؤلاء المؤمنين الصديق القدير الموسيقار والفنان التشكيلي السوري إبراهيم العكيلي الذي أعطى أغنية "بين العصر والمغرب" لسميرة توفيق بعد أن اشتقها من التراث الشرقي. لحّن أيضا لسعدون جابر ووديع الصافي. وحين استرد جنسيته السعودية لحّن للراحل طلال مداح ولطيفة التونسية ولفنانين آخرين في أزمنة مختلفة. لم يتخذ الفن صنعة. ولم يتقاض فلسا واحدا عن أعماله مع "فاتنة الصحراء"، حين نفض الغبار عن أغان مثل "مندل يا كريم الغربي" و"عالعين موليّتين" وأعاد توزيعها لتغنيها بصوتها. من غرائب سميرة توفيق أن صوتها كان ممنوعا من البث في إذاعة مصر الناصرية لأسباب سياسية. وأن أغنيتها الشهيرة "بيع الجمل يا علي" كانت من ألحان العملاق فريد الأطرش الذي لم يتوقع منه أحدٌ تأليف هكذا لحن فكاهي.

في تلك الأثناء كان الشباب العربي غير المهتم بمناخات "جسر الحديد" الذي انقطع من مشاوير العشاق، يجوب الأرض بحثا عن العلوم. ليرجع بعضهم إلى بلاده فيجد نفسه موظفا بسيطا في دوائر بدائية. وطاقة مهدورة تذوي كل يوم. في الشرق الساحر الذي بقي يسبح في التخلف.

أما مصطلح "التخلّف" فقد ظهر بقوة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. مع حصول كثير من البلدان المستعمَرة على الاستقلال. وبدءا من منتصف القرن العشرين أخذ يكثر في الأدبيات والخطابات والكتب والأبحاث والجامعات. ليعرّف بأنه حالة من البطء في عمليات التنمية، يرافقها تدهور في الحياة الاقتصادية و الاجتماعية، وانعدام لقدرة المجتمع على تحقيق احتياجات أفراده بسبب ركوده الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

اليوم تشظّت ظاهرة سميرة توفيق. فصار لدينا عشرات الآلاف من "ملهيات الرعيان" اللطيفة، التي تشدّ انتباه الناس. وبين “العصر” الذي كان يجب أن ننتمي إليه ونعيش فيه، و”المغرب” الذي تغيب فيه شمس مجتمعاتنا. كان علينا أن نكون أكثر صحوا مما كنا عليه.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر