الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

العميد أسعد الزعبي رئيسا للوفد السوري المعارض إلى جنيف 3

اختيار عسكري منشق عن النظام على رأس وفد المفاوضات السياسية يعيد الأمر إلى قوامه الطبيعي باعتبار أن العسكريين هم الأدرى بالصراع.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/01/30، العدد: 10170، ص(12)]

من يذكر الطيارين الذين فرّوا بطائراتهم إلى الأردن رافضين قصف شعبهم؟

برلين ـ لم يكن سهلاً أن تقبل كلية الطيران الحربي في سوريا بأيّ متقدم. فالشروط صعبة للغاية، وحين يحصل، درءاً لما صار فرزاً طائفياً مباشراً ومفضوحاً في هذا الملف، كان يجري قبول حفنة من الطلاب سرعان ما يجري وضعهم في مناصب إدارية وفنية قبل أن يتم تسريحهم من الخدمة. بعضهم يستمر، لتحسين صورة النظام، بحكم الضرورة، لا لشيء فقط لأن مؤسس النظام السوري حافظ الأسد، كان طياراً وقائداً لسلاح الجو، ويدرك تماماً خطورة هذا النوع من أجنحة الجيش على النظام. وقد استعمله بنفسه لتنفيذ انقلابات عدة قادها قبل أن يستقر له الأمر في العام 1970.

في شهر أغسطس من العام 2012، استيقظ الرأي العام على خبر انشقاق أحد الطيارين وهروبه بطائرته الحربية عبر الحدود الأردنية رافضاً إطاعة الأوامر بقصف المدن والقرى السورية وتجمعات المدنيين. ومرّ وقت طويل قبل أن تعلن الحكومة الأردنية اسم الطيار والمكان الآمن الذي آوى له.

ذكرت صحف مثل جريدة السفير اللبنانية، ومواقع أخرى رسمية تابعة لنظام الأسد أو موالية له. أن ذلك الطيار كان العميد الزعبي ذاته. بينما ذكر غيرها أن الطيار هو العقيد حسن مرعي حمادة الذي انشق بالفعل بطائرته في موقف كبير ومغامر. ليبقى شكل انشقاق الزعبي غامضاً حتى اللحظة.

العميد الركن الطيار أسعد عوض الزعبي، تولّى الإِشراف على الضباط والعسكريين السوريين الموجودين في الأردن، بالتنسيق مع عمّان والدول العربية الداعمة للثورة السورية. ولم يلبث أن انتقل إلى العاصمة السعودية الرياض ليصبح عضواً في مؤتمرها، والهيئة العليا للمفاوضات، ولاحقاً رئيساً لوفد المعارضة السورية إلى جنيف.

الرسالة الأولى التي أرادها العقل السياسي الذي تنطلق منه الهيئة العليا السورية للمفاوضات، تصبّ في القول؛ إن الصراع الدائر ليس سياسياً كما يراد له أن يبدو عبر الإصرار الدولي على "حل سياسي". وبالتالي فإن اختيار عسكري منشق عن النظام على رأس وفد المفاوضات السياسية يعيد الأمر إلى قوامه الطبيعي. فالعسكريون هم الأدرى بالصراع العسكري.

ولد الزعبي في بلدة المليحة الشرقية في ريف درعا أواسط الخمسينات. وتخرج برتبة ملازم في العام 1977، طياراً لطراز ميغ 21، وميغ 23، وميغ 29، وخبيراً فنياً على الطائرة ميغ 29 ومدرب طيران ليلي نهاري. انخرط في العديد من الدورات العسكرية مثل دورة ركن في العام 1990، ودورة دفاع وطني في العام 2008، والتي تعادل الماجستير في العلوم العسكرية، وعمل مستشاراً عسكرياً في اليمن لأكثر من عامين. وشغل في دمشق منصب رئيس جناح القوى الجوية في الأكاديمية العسكرية العليا.

السعودية كأكبر بلد عربي متماسك اليوم، مع حلفائها في الخليج والعالم العربي والعالم، ترفض ترك الباب مفتوحا فقط أمام الحل السياسي. وتقرر إنشاء مسارين في الوقت ذاته؛ أولهما ينطلق في الرياض، والآخر يعمل في القاهرة وعمان وأربيل

تلاقي المحاور

الرسالة الثانية التي يحملها اختيار العميد الزعبي، تريد مخاطبة الرأي العام المحلي والدولي. الذي يدرك أن الانتفاضة السورية السلمية بدأت في حوران، مسقط رأس الزعبي، قبل أن تتحوّل بفعل الوحشية التي عامل بها الأسد المتظاهرين مبتدئاً بأطفال درعا ذاتهم، إلى ثورة مسلحة، يمثل الزعبي أحد شخصياتها العسكرية.

في عمّان خلال السنوات الخمس الماضية، كان الملف السوري يدار بصورة مختلفة عمّا يظهر في الإعلام. فالعاصمة الأردنية شهدت وتشهد حتى اليوم تلاقي السياسات العربية المختلفة في جوانب والمتفقة في جوانب أخرى، على دعم نوعي عسكري وسياسي خاص كان يجري ترتيبه في الأردن. وكان الزعبي واحداً ممن صبّت عندهم جهود السعودية والإمارات وقطر والأردن معاً، بالتنسيق مع كبار المسؤولين في تلك الدول.

وهو الخط السياسي العسكري الذي بقي حارًاً وبعيداً عن التداول لا سيما وأنه كان يجري بموافقة أميركية على النقيض مما فعلت واشنطن في الشمال حيث الحدود التركية حين فرضت حظراً صارماً على تسليح الجيش الحر.

خط بقي بيد السعودية وحلفائها حتى يمكن أن يوضع على الطاولة في يوم من الأيام أوراق قوة محكمة، تراعي المحاذير والحساسيات الإقليمية والدولية. ففي التوقيت المناسب، وحين نضجت الظروف الدولية، قامت الرياض بجمع المعارضين السوريين المدنيين والعسكريين الذين توافقوا على رؤية مستقبلية لسوريا ديمقراطية تعددية.

الهيئة العليا السورية المعارضة تتمسك بتطبيق ببيان جنيف 1 ومقررات مؤتمري فيينا حول تشكيل هيئة الحكم الانتقالي وقرار مجلس الأمن 2254 بينما يحاول الروس قصف تلك المبادئ في جنيف 3

شكل المعارضة السورية الجديد

التصورات التي سادت خلال خمس سنوات مضت، عما يمكن أن يكون شكل المعارضة السورية وتوجهاتها الفكرية التي ستصنع مستقبل سوريا ومجتمعها، خضعت لتطورات هامة. فمن الشكل المنشطر الذي قسم المجتمع إلى ثائر وموالٍ، إلى باحث عن الحرية وباحث عن القيد، لم يكن ممكناً معه جمع الأطراف التي عارضت نظام الأسد بالفعل ويمكنها أن تكون بديلاً مناسباً ليس لحسابات الدول الغربية هذه المرة، بل لحسابات العالم العربي ورؤيته للدولة القادمة.

فكان انقسام المعارضة السورية أبعد من مجرد ذريعة استعملتها الولايات المتحدة وروسيا وغيرهما. بل كان حقيقة قائمة بالفعل بسبب هيمنة التيارات التي قادت العمل السوري المعارض وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين متحالفة مع القوى اليسارية التقليدية. هؤلاء لم تكن لديهم المخاوف ذاتها التي حملتها الدول العربية التي تعاملت مع الربيع العربي بحذر، كونه في واحد من أبرز أهدافه مشروع لتفجير المجتمع ولإعادة تركيبه كما قال عن نفسه عبر شخوصه وشعاراته. وهذا ما لم يكن مضمون النتائج بالنسبة إلى دولة مثل السعودية.

تصاعدت، قبل هذا، الدعوات التكفيرية التي رفعت في ثورات الربيع العربي، لا على ألسنة الإسلاميين وحدهم، بل حتى على ألسنة العلمانيين والليبراليين، الذين رفضوا المنشقين عن جسم الأنظمة المنهارة رغم كونهم غادروا ضفة الاستبداد وانتقلوا إلى العمل في صفوف الثورات، ما ساهم في إضعاف الطرفين؛ المنتفضين والمنشقين معاً. وترك الباب مفتوحاً أمام ثورة الإسلاميين التي تحمل شعار "الإسلام يجبّ ما قبله" وتتسامح مع تاريخ كل من ينضم إليها. وهكذا حوت الكثير ممن لا يستندون إلى تاريخ شخصي نظيف متسببا بجعلها دولاباً من النار يقود الناس إلى الخراب، في أفضل حالاته كانت أقصى طموحاته الاستشهاد في سبيل القضية، لا الانتصار بها ولها.

كان للسعودية تجربة مع الحرب الأهلية اللبنانية. لكن الأمر في سوريا يختلف جذرياً، فالرقعة أوسع والمعطيات متغيرة باستمرار وميزان القوى يميل لكفة القوة الغاشمة التي يملكها الأسد بالطيران وتدعمها إيران وروسيا بشكل يومي، وصولاً إلى انخراط الدولتين في الحرب بشكل مباشر على الأرض وفي السماء.

لم ترد السعودية كأكبر بلد عربي متماسك اليوم، مع حلفائها في الخليج والعالم العربي والعالم، أن تترك الباب مفتوحاً فقط أمام الحل السياسي. بل كررت مراراً على لسان وزير خارجيتها، أنه لا يمكن أن يكون لبشار الأسد مستقبل في سوريا. وأنه سيغادر السلطة بالحل السياسي أو العسكري. وقررت إنشاء مسارين في الوقت ذاته؛ أولهما ينطلق في الرياض والآخر يعمل في القاهرة وعمّان وأربيل.

الرأي العام يفاجأ بخبر انشقاق أحد الطيارين السوريين وهروبه بطائرته الحربية عبر الحدود الأردنية رافضا إطاعة الأوامر بقصف المدن والقرى السورية وتجمعات المدنيين. ليمر وقت طويل قبل أن تعلن الحكومة الأردنية اسم الطيار

لعبة المفاوضات الدامية

بعد مقررات فيينا ونيويورك، وصدور قرار مجلس الأمن 2254، أخذت الرياض على عاتقها مهمة جمع أطياف المعارضة السورية. فانتقت بعناية ما يمكن أن يشكّل تصوراتها للعلاقة النموذجية، المؤقتة أو الدائمة، ما بين السوريين، سواء كانوا من المعارضين أو أولئك الذين يعيشون حتى اللحظة تحت سلطة الأسد. ولم يكن هذا ممكن الحدوث دون استدعاء المنشقين عن النظام. وكان على رأسهم رئيس الوزراء السوري السابق رياض حجاب الذي تعاملت معه الرياض بحفاوة من نوع خاص. وطلب منه أن يلقي الكلمة الرسمية باسم المعارضين السوريين المجتمعين في مؤتمر الرياض، وتم تقديمه أمام العاهل السعودي بصفته "دولة الرئيس".

الأمر ذاته فعلته السعودية مع وزراء وسفراء سابقين، ومع عسكريين من طراز العميد الزعبي. وكذلك لم تتوقف كثيراً عند إسلاميين من تيارات قد لا تتوافق توجهاتهم مع سياساتها المعلنة.

ووضع تحت تصرّف هؤلاء الذين شكلوا الهيئة العليا للمفاوضات، كل ما يلزم لصناعة استراتيجيات وبرامج عمل مختلفة هذه المرة، يكون لها رؤى قابلة للتحقق وتقوم على تقاليد سياسية مؤثرة عربياً وعالمياً. وانطلق مسار المفاوضات من الرياض.

المسار الآخر الذي أطلقت السعودية عربته كان الخيار العسكري الذي يقوم على إنشاء تحالفات سورية عربية إقليمية تؤسس لقوى ذات قدرة على تغيير الواقع. وقد تم تكليف شخصيات سياسية مقربة من السعودية به لتدور عجلاته بالتوازي مع ما يثار حول جنيف والمفاوضات.

اللعب على المكشوف

بعد اجتماع وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات رياض حجاب أخذ نمط جديد من التعاطي السوري مع الحدث بالظهور. ويجري تقاسم الأدوار تكتيكياً، بين من يصعّد في كشف حقيقة المواقف التي ادّعت دعمها للانتفاضة السورية خلال خمس سنوات مضت، وبين من يخفف اللهجة ويترك طريق العودة والتراجع مفتوحةً أمام الدول. وهو ما حصل مع التوضيحات والتفسيرات التي اضطرت الإدارة الأميركية إلى تقديمها على لسان راتني المبعوث الأميركي الخاص المكلف بالشأن السوري.

تلى ذلك مطالبة الهيئة العليا للمفاوضات للمبعوث الدولي إستيفان دي ميستورا، بتقديم توضيحات للدعوة التي قدمها لهم بعد أن تم دفعه لعدم الرضوخ للمطالب الروسية بالتدخل في طبيعة الوفد السوري المعارض، وإضافة أسماء معينة معروفة بولائها لنظام الأسد وتحالفها العسكري والسياسي معه ومع المحور الإيراني (كما في حالة صالح مسلم الرئيس المشترك لحزب الاتحاد الكردي الذي يدار من جبل قنديل حيث التنسيق مع طهران والذي يسيطر على مساحات من سوريا بتنسيق تام مع نظام الأسد، يشمل التبادل النفطي والعمليات الأمنية).

أخذ أداء الهيئة العليا للمفاوضات، يثير إعجاب الحلفاء العرب. وقبل ذلك، تمّكن من حصد التفاف شعبي سوري غير مسبوق رغم حساسية البعض من الشخصيات المنشقة عن النظام مثل منسق الهيئة رياض حجاب ووزير الثقافة السوري الأسبق رياض نعسان أغا وآخرين. وبدا أن النضج لم يشمل فقط أداء المعارضة، بل تجاوز ذلك إلى نضج التلقي لدى الرأي العام الذي لم يعد ينصّب نفسه قاضياً يحاكم الناس قبل نشوء المؤسسات في دولة المستقبل.

شكل المعارضة السورية وتوجهاتها الفكرية التي ستصنع مستقبل سوريا ومجتمعها خضع لتطورات هامة، بدءا من الشكل المنشطر الذي قسم المجتمع بين ثائر وموال. ولم يكن ممكنا معه جمع الأطراف التي عارضت نظام الأسد بالفعل. ويمكنها أن تكون بديلا مناسبا ليس لحسابات الدول الغربية هذه المرة، بل لحسابات العالم العربي ورؤيته للدولة القادمة

تريد المعارضة السورية دفع القضايا التي يحاول الروس والأسد فرضها عليهم في طاولة المفاوضات إلى حيث يجب أن تدفع. فقرار مجلس الأمن مسؤولية تطبيقه تقع على عاتق مجلس الأمن في ما يتعلق بالقضايا الإنسانية كفك الحصار عن المدن وفتح الممرات الإغاثية وإطلاق سراح المعتقلين. وهي قضايا لا ترى المعارضة أنها يمكن أن تكون مادة للتفاوض، ما يترك أجندة المفاوضات مقتصرة على الحل السياسي وحده، أي الانتقال السياسي وتشكيل هيئة الحكم وتنفيذ قرارات مجلس الأمن وبنود بيان جنيف 1.

لكن هذا كله يرتبط أيضاً بفقرات في قرار مجلس الأمن 2254، وهو الجانب المتصل بوقف إطلاق النار أي ضبط العمليات العسكرية على كافة الجبهات. وهنا يأتي دور العميد الزعبي من خلال تواصله مع الفصائل العسكرية المتوافقة على وثائق الرياض وفي صدارتها جيش الإسلام وحركة أحرار الشام.

مسار وقف إطلاق النار لن يكون ملفاً سهلاً. ليس لأنه يرتبط بجبهة مفتوحة متعددة بل لأن أطرافه متشابكة تبدأ باللاعب الروسي الذي يقصف من السماء، مروراً بالإيراني الذي جلب الميليشيات الأفغانية والعراقية واللبنانية وسواها على الأرض، لتنتهي بطرفي النزاع الأساسيين نظام الأسد وقوات المعارضة السورية.

ومن المؤكد، أن تقنيات التعامل السياسي والفعل ورد الفعل، التي اختارتها الهيئة العليا للمفاوضات كما ظهر من أدائها في الأيام الماضية، ستنعكس على أدائها في التفاوض. لكن من المؤكد أيضاً أن الروس لن يتركوا المفاوضات تسير بسلاسة، رغم إغرائهم للمعارضة بالمجيء إلى جنيف برفع تمثيل نظام الأسد ليصبح رئيس وفده وزير الخارجية وليد المعلم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر