الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

'ناركوبوليس' يطرح العالم المستقبلي غارقا في المخدرات

  • صور من الحياة البشرية المستقبلية تعرضها أفلام الخيال العلمي حول الناس، كيف يعيشون سواء بعد سلسلة الحروب أو بعد اجتياح الأوبئة أو سيطرة الغرباء القادمين من الكواكب الأخرى؟ وعلى وفق تلك النمطية سار الكثير من الأفلام التي تنتمي إلى هذا النوع المزدهر من الإنتاج السينمائي، ولكن ماذا عن ذلك الوباء العالمي المتفشي ممثلا بالمخدرات؟ كيف ستؤول الأحوال في المستقبل لجهة التعاطي والتشريعات وتعامل المجتمعات المستقبلية مع الظاهرة؟ سؤال يطرحه فيلم “ناركوبوليس” للمخرج البريطاني جوستين تريفغارن.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/02/01، العدد: 10172، ص(16)]

اختلاط الصور الواقعية بصور من اللاوعي

البطل المتفرد الذي يلاحق خصومه بلا هوادة، هو ما اختاره المخرج وكاتب السيناريو البريطاني جوستين تريفغارن في فيلمه “ناركوبوليس” (إنتاج 2015)، ليقدم لنا فرانك (الممثل إيليوت كوان) الجريء والشجاع الذي يجول في الأزمنة من عام 2044 وعودة إلى عام 2024، يظهر على الشاشات في زمن مستقبلي، لكن لماذا يلاحق بارونات المخدرات؟

يروي بمزيد من الحزن كيف كان والداه مدمنين، وكيف كان يراهما محطمين وضائعين، ومن يومها قرر أن ينزل إلى الميدان ملاحقا بارونات المخدرات. نحن الآن في عام 2044، وفرانك يظهر في مقابلة تلفزيونية يروي فيها شيئا من سيرته، وعلى الجهة الأخرى سيظهر المكان الذي سيطرت عليه التكنولوجيا الرقمية، وثمة فتى يافع هو ليس إلاّ ابن فرانك الذي سيظهر في ما بعد، حيث طورت عصابات المخدرات المتحالفة مع شركة كبرى نوعا من المخدرات يمكن أن يتلاشى من يتعاطاه، منتقلا إلى أزمنة أخرى، كما سيحصل مع فرانك نفسه ساعة يتم حقنه بتلك الجرعة.

شخصية المتمرد تنطبق تماما على فرانك، فضلا عن أخذه كثيرا من شخصية التحرّي، هو المتمرد على رؤسائه والذي لا يكترث كثيرا لأوامرهم بالتوقف عن ملاحقة بارونات المخدرات بسبب شبكات المصالح العميقة بين أجهزة إنفاذ القانون والشركات الكبرى، وفي مقدمتها شركة “أمبرو” التي تنتشر إعلاناتها في كل مكان، وتنتج ذلك النوع المتطور من المواد المخدرة، ولهذا يصبح فرانك هدفا للجميع، لرؤسائه كما لمديرة شركة “أمبرو” الفاتنة.

بريطانيا إذن هي البلد الذي سيباح فيه تعاطي المواد المخدرة ابتداء من عام 2024، وفرانك المتمرد والمتحرّي الشرس هو الذي يلاحق ذلك الغول الاجتماعي الهائل من خلال مدينة موبوءة، يسانده باحث في الطب الشرعي ويقدم له ما لحق بالمتعاطين الذين يموتون من تشوهات، ولهذا يشعر بفداحة ما تقترفه تلك المافيات.

وتكمّل شخصية فرانك شخصيات لا تقل براعة في الأداء من خلال حوار متقن ومتماسك، كمثل بحثه الاستقصائي من خلال مطاردته للفتاة الصينية (الممثلة إيلودي يونغ)، وزياراته للباحث الروسي غريب الأطوار (الممثل جوناثان بريس) الذي يجري أبحاثه في مختبر مليء بشاشات التلفزيون العاطلة.

كان أداء الممثل إيليوت كوان على درجة عالية من التمكن، وكأنه النسخة الإنكليزية من بروس ويليس

هنالك تنوع مكاني ملفت للنظر عززته مهارات التصوير والإضاءة، وقد أتقنه مدير التصوير كريستوفر مون، والمونتاج لروبي موريسون، ولا تجد في كل الفيلم إلاّ قليلا من الكادرات الثابتة، فلكل موقف هنالك كاميرا متحركة وزوايا متنوعة، فضلا عن تشكيل إضائي مميز، كل ذلك منح السرد الفيلمي إضافات مهمة وجمالية ملحوظة، وذلك من خلال التنقل بين الأزمنة المتعددة والاستذكارات واختلاط الصور الواقعية بصور من اللاوعي، ورغم هذه الغزارة التعبيرية إلاّ أن كلا من الخط السردي الرئيسي والحبكة الرئيسية بقي علامة فارقة في هذا الفيلم.

تلفت النظر أيضا طريقة أداء الشخصيات من خلال كثافة الحوار وتماسكه، سواء في لقاءات المدير المباشر لفرانك مع مديرة شركة “أمبرو”، أو من خلال تلك الحوارات عبر الشاشات التي كانت تدور ما بين فرانك وزميله الطبيب الشرعي أو مع ابنه أو مع مديره، وفي كل ذلك كانت الشاشات الحوارية حاضرة، تمنح الفيلم بعدا مستقبليا من جهة، وجمالية إضافية من جهة أخرى.

المتمرد العنيد هنا وكأنه الوحيد في تلك البلاد الذي يعنيه هذا الأمر ويصارع متحدّيا من أجله، إذ أن الملفت للنظر ذلك التعتيم على الكل ما عدا هذه الشخصية، فقد غاب الإعلام والصحافة والساسة بشكل شبه كلي، وصار فرانك هو اللاعب الرئيسي والوحيد الذي يقوم بصولاته اليومية على خصومه، حتى ينتهي به المطاف أسيرا بين يدي مديره المباشر ومديرة شركة “أمبرو”، ثم ليختفي لاحقا بجرعة مستقبليه ترسله وهو مثخن بالجراح إلى ابنه في الزمن المستقبلي 2044.

ومع ذلك، لن يظهر الشيء الكثير من ذلك الزمن المستقبلي سوى الابن الذي تلاحقه عصابة المخدرات للمضي في تجاربها عليه، وهو محاط بتلك التقنيات الرقمية. هو صراع طويل وعنف وإرادات متقاطعة تلك التي يحفل بها هذا الفيلم، وقد كان أداء الممثل إيليوت كوان على درجة عالية من التمكن، وكأنه النسخة الإنكليزية من بروس ويليس، ولكن بطبيعة إنكليزية خالصة تدعمها الأماكن والشخصيات المتقشفة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر