الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

بناء الوعي لاستعادة 'الإنسان' وثورة 25 يناير

25 يناير كانت لحظة براءة استمرت أكثر مما يجب، ولكن الثورة تفرز وتنتقي وتستبعد من يحاول استثمارها، فالمعاني والقيم الإنسانية تستعصيان على محاولات الترويض والتربح بكل أشكاله.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/02/02، العدد: 10173، ص(8)]

في ديباجة الدستور المصري (2014)، وتحت عنوان “هذا دستورنا”: “ثورة 25 يناير – 30 يونيو، فريدة بين الثورات في تاريخ الإنسانية، بكثافة المشاركة الشعبية التي قدرت بالعشرات من الملايين، وبدور بارز لشباب متطلع لمستقبل مشرق، وبتجاوز الجماهير للطبقات والأيديولوجيات نحو آفاق وطنية وإنسانية أكثر رحابة..”. هي ثورة واحدة انطلقت في 25 يناير، وتمتلك رصيدا من القدرة الذاتية يمكنها من استعادة مسارها، في 22 نوفمبر 2012 بعد الإعلان غير الدستوري، وفي 30 يونيو 2013. وستواصل تصحيح أخطائها إلى أن يتحقق هدفها الأول، التغيير.

تكفي الحرية لضمان تحقيق الأهداف الأخرى التفصيلية. أستعيد هتاف يوم 25 يناير، ذلك الشعار الذي لم يبدأ بكلمة “عيشْ”، ليتأكد لي أنها ثورة أحرار لا تمرد جياع. 25 يناير لحظة نادرة آمن بها المشتاقون إلى الحرية، تدفقوا في الميادين، فرادى تجمعهم أهداف نبيلة، ولم يأبهوا لمئات الألوف من عسكر وزير الداخلية حبيب العادلي. شعار يوم 25 يناير الدقيق “تغيير. حرية. عدالة اجتماعية”، أثق في أذنيّ، وحين يزداد الإلحاح بالشعار المعدل الأكثر شهرة، أعود إلى الفيلم القصير “نافذة ع التحرير”، بضع دقائق وثق فيها مخرجه عمرو بيومي الشعار الصاعد يوم 25 يناير “تغيير. حرية. عدالة اجتماعية”.

سأراهن على مؤشر واحد يثبت تقدم الثورة في اتجاه صحيح، رغم تباطؤ وتواطؤ وإحباطات. فوز مواطنين مسيحيين في الانتخابات البرلمانية اعتمادا على جهد خاص بعيدا عن المال السياسي، والحشد الطائفي اليميني الديني المضاد للمواطنة، هو دلالة على يقظة الوعي الوطني. المرشح الفردي المسيحي فاز بأصوات مسلمين، تغيير نوعي بعد 40 عاما من انحياز السلطة إلى اليمين الديني وقد أعلن أنور السادات عن هذا النفاق الرسمي “أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة”.

الوعي بقيمة الحرية وقدسية المواطنة هو الرهان على أن الثورة ستنجح، بعد انتكاسات جرت وفقا لقواعد “ديمقراطية”. ويبدو أن 25 يناير كانت لحظة براءة استمرت أكثر مما يجب، ولكن الثورة تفرز وتستبعد من يحاول استثمارها؛ فالمعاني والقيم الإنسانية تستعصان على محاولات الترويض بكل أشكاله. باسم البراءة وبإجراء ديمقراطي جرى الاختطاف الأول للثورة، ولم يستمر اليمين الديني طويلا، وبالإجراءات نفسها يجري حاليا اختطاف ثان بإلحاح أعداء الثورة ممن كانوا سببا في اندلاعها وربما يكونون سبب انفجار قادم يتمتع بفائض من الوعي والخبرة.

يحق للطالب الراسب “إعادة السنة”، وهي مصطلح مصري يعطي لمن يخفق في تحقيق النجاح فرصا أخرى. ويبدو أن الشعب الذي نجح في خلع حسني مبارك ستكفيه نوبتان من الفشل، بحسن نية وتضليل ينطلق من دوافع دينية أو وطنية. كان ميدان التحرير في الأيام الأولى للثورة يتمتع ببراءة لا تكفي إلا للهدم، وحين تأكد أن مبارك قد انتهى أصبح الميدان فرقا يبحث كل منها عن أكبر قدر من الثمرة أو الاستئثار بها كاملة، وجاءت انتخابات 2011 و2015 أكثر شبها بالطامعين في الثمرة.

كان البرلمان الأول تمثيلا لحشد يميني يبشّر بدولة الخلافة، وجسّد الثاني تحالف الثروة والقبضة البوليسية للتواطؤ على الثورة، وستكون “الثالثة ثابتة” مادامت أسبابها قائمة، أما الشرط التاريخي للثورة أو لموجة جديدة، فلا يبدو الآن مواتيا، ويمكن استباقه بإجراءات تستجيب لأشواق الحالمين بترجمة أهداف الثورة، كما جرى في بلدان عربية عقب موت طغاة مزمنين وبدء إجراءات شملت مصالحات مع ضحايا الاستبداد.

الأمر في بلادنا أشد تعقيدا، بعد أكثر من 23 قرنا من التجريف الشامل للشخصية المصرية، منذ احتلال الإسكندر للبلاد عام 322 ق م. محو الشخصية الوطنية هدف وحيد اتفق عليه كل من تناوبوا على غزو مصر، عبر احتلال متصل، لم ينته إلا بقيام ثورة 23 يوليو 1952. حرم المصري من حقه في حمل السلاح، حتى يحلو لمستشرقين محليين أن يتندّروا على اختيار النخبة لمحمد علي واليا على مصر في سخرية استشراقية غير لائقة تتجاهل السياق التاريخي لبلد تحت وطأة احتلال عثماني، وكان البديل الدامي لمحمد علي هو أحمد باشا الذي حمل لقب “الجزار”.

كان الوعي نادرا بما تعنيه كلمة “مصر” منذ توارثتها الإمبراطوريات حتى آلت لما يسمى بالخلافة، وفي إحدى جولاتها، في عصر المأمون، سيق المصريون الثائرون على الظلم أسرى، ولم تتوقف الثورات من أجل استعادة البلاد الواقعة تحت وطأة الخلافة، ثم جاء عبدالرحمن الجبرتي ليعيد إلى الدولة اسمها الوطني “البلاد المصرية”. كانت مصر جاهزة لاستقلال نسبي سعى إليه محمد علي.

كان محمد علي قائد جيش عثماني، بعد قرون حرّم فيها على المصريين حمل السلاح، وقدموا من الشهداء ما يشرّف أي أمة، وكانت حياتهم ثورة متصلة قبل عصر الشهداء وبعده. وقام ابنه سعيد في خمسينات القرن التاسع عشر بخطوات حضارية منها إلغاء الجزية والسماح لأبناء الأعيان من الفلاحين بالترقي في الجيش، ومنهم خرج أحمد عرابي ورفاقه، قادوا أول ثورة دستورية في مصر والعالم العربي.

لا تحتمل ثورة 25 يناير انتكاسات أخرى، ولن يفاجأ الحالمون في نهاية الطريق بانسداد الأفق. لا يفتح هذا الأفق إلا وعيا لا يسمح بالوصول إلى مرحلة “عصر الليمون”.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر