السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

الاتحاد الأفريقي والإرهاب.. قمة تدبير النقاش

الخلافات السياسية بين بلدان القارة الأفريقية من الكثرة والتعقيد، بحيث يصبح أي توافق على سياسة مشتركة في محاربة ظاهرة الإرهاب في حكم الممتنع.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/02/04، العدد: 10175، ص(9)]

عكست القمة الأفريقية الأخيرة التي عقدت في أديس أبابا قلقا أفريقيا متزايدا من تنامي ظاهرة الإرهاب في عدد من المناطق في القارة، وخاصة في الساحل الأفريقي، الذي تحول إلى ساحة خلفية للجماعات الجهادية المسلحة وصار نقطة تقاطع خطرة للجماعات المتطرفة المحلية في مجموع بلدان القارة السمراء، وهو ما ترجمته حزمة التصريحات والقرارات التي خرجت بها القمة السادسة والعشرون، التي يجوز وصفها بحق، القمة الأسوأ بين قمم الاتحاد الأفريقي، بالنظر إلى تشابك التحديات المطروحة، سواء في ما يتعلق بظاهرة الإرهاب أو بالأوضاع السياسية الداخلية في بعض البلدان الأعضاء في الاتحاد.

هذا التداخل بين نوعيْ التحدي يجعل أيدي الاتحاد مغلولة في ما يرتبط بالقدرة على الحد من تفاقم المشكلات الداخلية في القارة. فالمقاربة التي يريد عدد من بلدان الاتحاد الأفريقي انتهاجها حيال الأزمات السياسية المحلية لا ترضي أطرافا كثيرة، إذ بالرغم من الانتماء إلى الاتحاد إلا أن بعض البلدان ترى في أي تدخل من لدن هذا الأخير لتسوية الأزمات المشتعلة فيها نوعا من التدخل في شؤونها الخاصة.

وتعد حالة بورندي نموذجا لمثل هذا السلوك السياسي السائد في القارة الأفريقية، والذي يعيق أي سياسة لبناء منظومة أفريقية لحل النزاعات. ففي شهر ديسمبر الماضي اقترح الاتحاد الأفريقي إرسال بعثة عسكرية في مهمة لتهدئة الأوضاع المتوترة في هذا البلد، الذي يعيش منذ قرابة العام مواجهات عنيفة على خلفية رغبة الرئيس في البقاء لولاية ثالثة، ولكن الرئيس البورندي، الذي تغيّب عن أشغال القمة، هدد بقتال هذه البعثة في حال إرسالها، واصفا إياها بالقوة الاستعمارية، وانتهت المسألة بخضوع الاتحاد لضغط عدد من الدول الأفريقية للتراجع عن إرسال البعثة باسم الحفاظ على استقلالية القرار السيادي لكل دولة.

قد يكون غياب الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، عن أشغال افتتاح القمة رسالة صريحة إلى قادة هذه البلدان، مفادها أن الاتحاد الأفريقي ليس الجهة التي يعول عليها في محاربة الإرهاب المسلح في القارة، وهي رسالة يمكن أن تجد لها صدى في الدوائر الغربية التي تتعامل مع الأزمات في القارة الأفريقية كما لو كانت غير ذات أهمية، بحيث أن ما يهم هذه الدوائر هو بناء جدار حماية للحيلولة دون تمدد الجماعات الإرهابية إلى أوروبا، وما عدا ذلك يمكن لتلك الأزمات السياسية أن تظل قائمة، طالما أن بلدان القارة لم تنجح في صياغة استراتيجية مشتركة للتعامل معها. وهو موقف، كما هو واضح، يتجاهل الارتباط الوثيق بين الأزمات السياسية الداخلية والإرهاب ذي البعد الإقليمي.

لقد عجز الاتحاد الأفريقي حتى اليوم عن التعاطي مع الأزمة الليبية، ويحسب لأوروبا أنها واكبت مسيرة التفاوض بين الجانبين المتنازعين في البلاد وضغطت لكي يتم توقيع اتفاق الصخيرات، الذي بقي حبرا على ورق، بينما ظل الاتحاد الأفريقي في مقعد المتفرج، لذلك كان طبيعيا أن تنأى قمة أديس أبابا عن الملف الليبي، وأن تعلق إمكانية التدخل في هذا البلد على تشكيل حكومة وطنية، وفقا لما تم إرساؤه في اتفاقية الصخيرات، تكون هي الجهة التي يمكن التحاور معها بشأن أي سيناريو للتدخل العسكري.

بيد أن هذا الموقف لا يضيف شيئا إلى موقف الأوروبيين، ممّا يعني أن الاتحاد الأفريقي لا يزال يرهن نفسه إلى المواقف الأجنبية، كما ليس هناك ما يشير إلى أن الحكومة الليبية الجديدة، في حال تشكيلها، يمكنها أن تغلب جانب التعامل مع الأفارقة على جانب التعامل مع الأوروبيين، ففي النهاية ما يزال الاتحاد الأفريقي تجمعا إقليميا لا ينظر إليه لدى بلدان القارة بنوع من الاهتمام كتجمع يوثق به.

يوجد في أرشيفات الاتحاد الأفريقي العديد من البروتوكولات والاتفاقيات التي تم التوقيع عليها خلال السنوات العشر الماضية، محورها محاربة الإرهاب والجماعات المسلحة وتهريب البشر والتجارة غير المشروعة في الأسلحة وملاحقة الإرهابيين، ولكن هذه الاتفاقيات لا تجد طريقا إلى التنفيذ بسبب الأزمات السياسية الداخلية المؤجلة وانتشار الفساد السياسي، بالرغم من أن حصيلة العمليات الإرهابية في بلدان القارة تتزايد باستمرار، وتناسل الجماعات المتطرفة وتمددها يتقدمان يوما بعد يوم.

وكمثال على ذلك تم في العام 2004 توقيع بروتوكول يهم مكافحة الإرهاب بين بلدان الاتحاد الأفريقي، ولكنه لم يدخل حيز التطبيق إلا عام 2014، فالخلافات السياسية بين بلدان القارة من الكثرة والتعقيد، بحيث يصبح أي توافق على سياسة مشتركة في محاربة ظاهرة الإرهاب في حكم الممتنع.

تعد أفريقيا اليوم معقل الجماعات الإرهابية بامتياز، وهي مرشحة لكي تصبح أكثر جذبا للمقاتلين المسلحين في المراحل المقبلة، نظرا لوجود مناخ يتيح لها التمدد ويمنحها القابلية لاستقطاب المجندين، بسبب انتشار الفساد والفقر والحروب الداخلية وغياب أي سياسة اقتصادية ذات طابع اجتماعي يمس مختلف الفئات، علاوة على النعرات القبلية، وهشاشة بنيات الحكم والسلطة. وفي الوقت الذي يفضل كل بلد أن ينظر إلى التحدي الإرهابي من زاويته الخاصة بعيدا عن الشراكة، تنظر الجماعات الإرهابية إلى مجموع الدول الأفريقية ككتلة واحدة، وهو ما يفسر انتشارها الأفقي والعمودي وقدرتها على الاستهداف.

فخلال العام الماضي نفذت الجماعات المسلحة بمختلف أنواعها، ما مجموعه 4523 عملية إرهابية في 44 دولة من أصل 54 دولة أفريقية، وهو رقم كبير يدل على وجود قابلية لدى البلدان الأفريقية للتعرض للهجمات الإرهابية، وعلى عدم وجود حصانة أمنية حقيقية، الأمر الذي لا بد أن يشجع هذه الجماعات الإرهابية على توسيع أهدافها.

الأكثر من ذلك، أن البنيات التنظيمية للجماعات المسلحة تعتبر في حد ذاتها دليلا على الهشاشة الأمنية للبلدان الأفريقية، وعلى وضعية التشرذم في الجسم الأفريقي. ففي التقاليد السائدة لدى التنظيمات الإرهابية يتم اللجوء إلى المزيد من التوحد والتنسيق في مواجهة الغطاء الأمني لدى الدول، بينما الوضع في حالة الجماعات الإرهابية في أفريقيا معاكس تماما، إذ في كل مرة يعلن فصيل صغير انشقاقه عن الجماعة الأم ويسعى إلى تسجيل حضوره من خلال عملية إرهابية تلفت إليه الأنظار، ما يعني أن البلدان الأفريقية تعاني هشاشة تلعب لصالح الإرهاب.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر