السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

المفاوضات السورية ومبيعات أوهام السلطة

ما يحدث في جنيف، عمليات تجميل روسية وإيرانية مع بعض المستحضرات الأميركية لوجه النظام الحاكم المشوه، لإعادة تأهيله وتمديد صلاحيته وسيطرته، والحقائق ستصل إلى طريق مغلق.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/02/05، العدد: 10176، ص(8)]

الحقيقة مسؤولية على عاتق من يتحمل تبعاتها، والمؤمنون بها ينبغي عليهم ألا يلدغوا من جحرها للمرة الثالثة، لأنه في كل مرة تفشل مساعي التفاهمات، بمجرد أن تبدأ مع الأطراف الدولية والأممية الراعية، حتى تسيل الدماء بغزارة على الأرض السورية.

جنيف 3 يختلف عن سابقيه، بسبب التدخل الروسي العسكري الفاعل إلى جانب النظام الحاكم، ويترافق مع تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الذي أكد على أن لا وقف للقصف الجوي ضد من يصفهم بالإرهابيين، وهو وصف مفتوح، شواهده الكوارث الإنسانية في ريف حلب وأعداد الضحايا من المدنيين وانهيار حتى هدنة الزبداني.

الأمم المتحدة وأميركا على الرغم من التزامهما بتنفيذ وقف إطلاق النار حال البدء بالمفاوضات، بحسب ما جاء في القرار 2254 الذي صدر بعد جهد طويل ولقاءات دولية متعددة، لكن ما حصل في الأيام الماضية مجموعة من التصريحات الإعلامية في قاعات صحافية وأروقة وحتى على الأرصفة بين طرفين ولم تؤد إلا إلى المزيد من المناكفات، خاصة من طرف وفد السلطة المفاوض الذي سعى إلى دفع المعارضة للانسحاب من المفاوضات لأنه تعامل وفق ذات المنطق المبطن بالسخرية والإصرار على الاستخفاف والاستهانة بعظيم تضحيات الشعب السوري، وأيضا تعنّته من أجل إطالة أمد النظام وتقديم صورة مغايرة للدور السياسي وتمجيد حضور الوفد كبادرة حسن نية لتطبيق الالتزام الدولي.

وفد المعارضة يدرك مسبقا مناورات وفد الحاكم السوري وأكد أنه قدم للمشاركة، لإسقاط حجة وفد النظام، وكذلك بناءا على توصيات ورغبات أصدقاء الشعب السوري.

المؤشرات الأولى، تداعي المفاوضات إلى مزيد من فرض الواقع العسكري وتقديم روسيا لنفسها كبديل تفاوضي على الأرض ولاعب سياسي منحاز إلى النظام الحاكم في جبهة أحكمت قبضتها على مستقبل سوريا، ضمت إيران ومشروعها الطائفي العنصري التوسعي على حساب العرب.

وقف إطلاق النار وفك الحصار على البلدات والمدن وإطلاق سراح المعتقلين ومنهم النساء، هو ما يريد انتزاعه وفد المعارضة السورية كخطوة لبدء المفاوضات غير المباشرة كبادرة ثقة أو حسن نية في مسيرة الأشهر الستة الأولى التي نص عليها القرار 2254 لتشكيل الحكومة الانتقالية.

أميركا سلمت الملف السوري إلى روسيا وإيران، وتركت أمر الحاكم السوري وانصرفت بعد توقيع الاتفاق النووي إلى استحضار اهتمامها بالإرهاب وتأكيد دورها في تطمين أوروبا بمتابعة احتمالات تمدده عبر المتوسط إلى إيطاليا من خلال البوابة الليبية، مع تصريحات عن معركة قادمة في الموصل وزيادة أعداد المقاتلين الأميركان لأغراض التدريب الذين وصلوا فعلا إلى العراق مع معداتهم اللوجستية والعسكرية.

القانون الدولي، كما يبدو، لا يشمل الأحداث السورية لأننا نلمس عدم الجدية في الإعداد لمفاوضات جنيف، فمن البديهي أن المفاوضات لإنهاء حرب دامية، تؤكد مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية، إنها أبشع مأساة إنسانية من حيث النزوح والهجرة والإبادة بعد الحرب العالمية الثانية، كان لا بد أن ترافقها موافقات من الجانبين لتنفيذ الالتزامات الأولية الممهدة للمفاوضات الرسمية.

المفاوضات المشابهة للحالة السورية، أي التي تنطلق من الصفر أو أدنى في عدم الثقة والحذر والتصلّب في المواقف، نتيجة لقسوة الحرب، يهيأ لها بالتصميم، وهنا التصميم لا يقتصر على مفهوم الإرادة الراعية في المساعدة على إنهاء الحرب، إنما التصميم بالمعنى الفني، أي تصميم مكان اللقاء، وابتكار الشكل العام في قاعات المفاوضات، وتسخير الطرق المؤدية إلى المكان الذي تعقد فيه المفاوضات لإيصال أفكار وشعارات داعية إلى إحلال السلام، وتهيئة المنظمات الحقوقية والإنسانية لأداء دورها في توفير الدعم النفسي للمفاوضين بالتجمعات والفعاليات الرافضة لاستمرار الحرب.

الإعلام، كما رأينا، ربما يلعب دورا سلبيا، لأنه يُوصلُ رسائل متبادلة تزيد من نبرة العداء بينما المطلوب من المجتمع الدولي العمل بموجب المثل القائل “داري على شمعتك” والمعروف أن ضوء الشمعة الخافت للأمل على طاولة المفاوضات تتلاعب به الرياح من كل البوابات المحطّمة بفعل التدخلات الأجنبية، وكذلك تنهدات الملايين من الشعب السوري المكلوم بأحزانه ويأسه وجروحه الغائرة.

المبعوث الدولي ستافان دي مستورا، يفترض أن يكون في الفترة الأولى المتحدث الوحيد عن سير المفاوضات لتجنب الإثارة واستغلال التصريحات للتأثير على وقائعها، ويأتي وصفه للمفاوضات بأنها الفرصة الأخيرة لإنقاذ سوريا، في محله، ليذكّرَ كل الأطراف بخطورة فشلها ونتائجها في تمديد معاناة الشعب السوري وربما تفاقم الحرب إلى طرح تصورات جديدة في المنطقة كالتقسيم وإنشاء دول صغيرة طائفية وعرقية، على الرغم من أن الصورة الآن تنحسر في الوصاية الروسية والإيرانية على سوريا ومرشحهما طويل الأمد.

روسيا تشبه بطل فيلم “العازب” الذي لا يمكن أن يقنع أي فتاة يتقدم لخطبتها حتى حبيبته، لأنه، ببساطة، يفكر بالإفلات من التزامه وكل ملامح وجهه تؤكد أنه غير جاد في مسعاه، لكنه يمضي في غايته من أجل تنفيذ بنود وصية تضمن مصالحه الخاصة.

روسيا ببساطة تحل مشاكلها مع محيطها الإقليمي ودول الناتو في سوريا وتجدد شبابها الإمبراطوري بفرض أسلوبها وهيمنتها ووحشيتها، مستغلة شماعة محاربة الإرهاب لكسب ود أو صمت أو مشاركة أوروبا والعالم.

ما يحدث في جنيف، عمليات تجميل روسية وإيرانية مع بعض المستحضرات الأميركية لوجه النظام الحاكم المشوه، لإعادة تأهيله وتمديد صلاحيته وسيطرته، والحقائق ستصل إلى طريق مغلق، والمفاوضات مع وفد السلطة في سوريا إنما إضاعة للوقت، استغلتها الميليشيات الطائفية متنوعة الجنسيات والقوات الروسية بقصفها العنيف لإعادة النفوذ على مناطق تقع خارج سلطة الحاكم.

لكن هكذا هي الحروب، معارك عسكرية وساسة وتجاذبات ومفاوضات تنتهي إلى متغيرات حتمية، للإبقاء على ما تبقى، بعيدا عن سياسة “وكالات الإعلان الدولية” التي تروّج لمشاريعها وأيديولوجياتها، لكن حقيقة ما أفرزته المفاوضات في أيامها الأولى، هي زيادة العنف واستغلال كل الفرص المتاحة لتسيّد المشهد العسكري.

الخسارة المضافة في مفاوضات مثل المفاوضات السورية، ونتيجة لانكشاف أوهام الناس البسطاء في إيجاد حل لمصائبهم، أنهم لم يعودوا يأخذون المفاوضات على محمل الجد، لأن ما يجري على أرضهم هو صدمة الحقيقة، وانهيار الهدنة مع الحاكم المستبد إلى الأبد.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر