السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

مجتمعات تأكل أبناءها

بلداننا العربية واقعة في مصيدة الطائفية والأفكار الظلامية التي تجعلها تكتفي بحريات سياسية مقيدة، وتعرّض المرأة لأشكال مختلفة من القمع المتشدد، وتنتهك براءة الأطفال.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/02/05، العدد: 10176، ص(21)]

يردد العرب بكثرة مقولة “الجوع كافر”، ولو صدقوا لقالوا إن تجويع الأطفال وممارسة البطولات والهيمنة على أجسادهم الصغيرة والمنهكة من الرمق والضمأ، أكثر كفرا من الجوع وأشنع من فعل السرقة الذي قد تُجبر عليه في غالب الأحيان البطون الخاوية. ولست هنا لإيجاد مبرر للسارقين وأفعالهم الخارجة عن النطاق القيمي والأخلاقي والقانوني مهما كانت أسبابها أو دوافعها.

ولكن أليست السرقة بسبب الجوع والفقر أهون وأقل بشاعة من سياسات التجويع التي تغتال أرواح أطفال أبرياء، كان من الممكن أن يكونوا أطباء أو مهندسين أو رجال أعمال في بلدانهم، وتفخر بهم أمهاتهم ويشرفون مجتمعاتهم، ولكنهم للأسف يحرمون بسبب حصار الحروب وسياسات التجويع المفتعلة من العيش طفولة طبيعية وآمنة بعيدا عن القلق والمخاطر وأعباء الحروب التي يمكن أن تترك فيهم تأثيرات نفسية وجسدية مدى الحياة، هذا إن حالفهم الحظ ونجوا من كمائن من ليست في قلوبهم رحمة.

أليس الطفل مستقبل الأمة والإساءة إليه تعني بالضرورة إساءة للأمة ولتاريخها ولمستقبلها، فلماذا لا نحترم حق الطفل في مجتمعاتنا ونزج به في خطوط النار، فيقتل أو يسجن أو يعذب وفي أحسن الأحوال يقيم في ملاجئ لا تتوفر فيها أدنى مقومات العيش.

وتختزل صور أطفال مضايا السورية والفلوجة العراقية وتعز اليمينة التي برزت عظام وجوههم وبطونهم وتحولت أجسادهم إلى ما يشبه الهياكل العظمية كل وصف لسياسات الحروب القذرة التي أدخلت الأطفال الأبرياء إلى حلبات الصراع وأشركتهم في معارك طاحنة لا طائل من ورائها غير تدمير مستقبل أجيال بأكملها.

ورغم ذلك فأطراف الصراع في هذه البلدان يلعبون دور المتفرج وبقلب بارد يرفضون وصول المعونات الغذائية وغيرها من المساعدات الإنسانية إلى المستحقين.

إنها لمأساة أن يتحول حلم الديمقراطية الجميل في أوطاننا العربية إلى كابوس يتلون بتلاوين أوجاع بطون الأطفال الخاوية ودخان الدمار والسيارات المفخخة التي تغتال الأبرياء، وصور المباني المدمرة.

ومن سوء الطالع أن يكون الرابح الأكبر من وراء إهدار المليارات من الدولارات وإزهاق مئات الآلاف من الأرواح هو التنظيمات المتشددة التي أصبحت تسيطر على المنطقة من دجلة والفرات إلى البحر المتوسط. والمفارقة العجيبة أن القتل والتجويع في البلدان العربية مسؤول عليه وبالدرجة الأولى أشخاص كان من المفروض أن يكونوا حماة لأوطانهم ولشعوبهم فباتوا هم ألد الأعداء.

والأدهى والأمر من هذا كله أن أصحاب القرار في بعض الدول العربية يعلقون دائما أخطاءهم وفشلهم على العدو الخارجي، ذلك الوهم الذي صنعوه في خيالهم وصدقوه، ونسوا الأعداء الداخليين على كثرتهم، الذين ينخرون مجتمعاتنا، فهم الفساد المتغول في المؤسسات الإدارية ومناهج التعليم وانعدام الرعاية الصحية الجيدة وضيق أفق الحريات وعدم احترام حقوق الإنسان والقائمة تطول.

وما يشهده عالمنا العربي اليوم دليل على أن التغيير لا يمكن أن يكون إلا من الداخل، ولكن يحتاج ذلك إلى تحرير المرأة والعمل على منح المزيد من الحريات السياسية، إلى جانب تطوير وتنمية أنظمة التعليم.

ولكن للأسف بلداننا العربية واقعة في مصيدة الطائفية والأفكار الظلامية التي تجعلها تكتفي بحريات سياسية مقيدة، وتعرّض المرأة لأشكال مختلفة من القمع المتشدد، وتنتهك براءة الأطفال.

فمتى يحين الوقت للاستفاقة من غيبوبة الوهم، فتنتهي الكراهية وتتوقف الحروب وتخلق ظروف معيشية أفضل، وتؤمن حياة كريمة للشعوب الحالية ومستقبلا مشرقا للأجيال القادمة.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر