الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

حكمة الأوسطة

رسم النون يجيء على شكل دائرة تتوسطها نقطة تمثل مركز الكون، وفلكا في بطنه بذرة الحياة ونواتها، وهي المعرفة الحقة للوجود والبشر وطبائعهم.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/02/05، العدد: 10176، ص(24)]

في أحداث الليلة الثامنة والعشرين من ألف ليلة وليلة، تحكي شهرزاد حكاية “حلاق بغداد”. ذلك الفضولي الذي فضح قصة حب أحد الشباب العاشقين، وأخذ يلاحقه من مكان إلى آخر. حتى حين حاول التخفي في صندوق أو الهرب إلى الصين، كان يجد الحلاق أمامه. كان الحلاق طيب القلب، لكن مشكلته كانت أنه محروم من التعاطف.

ويُحكى أنّ حلاقا آخر من الأوسطوات الكبار في مدينة عربية عريقة كان يحلق يوما رأس زبونه بالموس، فزلّت يده وجرحت الزبون، وأخذ الجرح ينزف، ولكن الحلاق كانت لديه حيلة تقليدية متعارف عليها في مثل هذه الحالات، فما كان منه إلاّ أن مال على أذن الزبون، وهمس قائلا “يوجد وسخ على عقالك”. وكان ذلك تعبيرا سرّيا شعبيا عن تلوّث سمعة الإنسان وشرفه.

غضب الزبون، ونهض ساحبا خنجره ليفتك بالحلاق، الذي اعتذر منه بسرعة، وقال إنه أزعجه قاصدا، حتى يتوقف الدم عن التدفق من جرحه. قبل الزبون الاعتذار وتفهّم الموقف.

في تلك اللحظات كان صبي الحلاق المراهق يراقب ما يحدث بين الأوسطة والزبون، فالتقط الفكرة. وبعد أيام، تولى الصبي بنفسه الاهتمام بزبون جديد. فأراد تقليد معلّمه فجرح رأس زبونه عن قصد، واقترب من أذنه هامسا “يوجد وسخ على عقالك”، فلم يحرّك الرجل ساكنا، ولم يتوقف الدم عن التدفق، فاستغرب الصبي وكرّر “سمعنا كلاما سيئا عن ابنتك”، فلم يتأثر الرجل، بينما كان الدم يسيل، فحاول الصبي مرة ثالثة وقال “سمعة عائلتك كلّها سيئة”، ومع ذلك لم تؤثر تلك الكلمات في الرجل.

اقترب الأوسطة مسرعا ورفع يده وضرب الزبون بكفه على رقبته، ضربة وصل صوتها إلى آخر الحارة، وهو ما نسميه بالعامية “سَطْرَة”، فارتعب الزبون، ونهض مستغربا، فشرح له الحلاق، فاستوعب الرجل، وتوقف النزف على الفور.

عندها التفت الأوسطة الكبير إلى صبيّه المبتدئ، وقال “يا بني، إن الناس ليسوا متساوين في كل شيء، بعضهم يفهم من كلمة، وبعضهم لا بدّ له من سطرة”.

تذكرت حديث “الكلمة والسطرة” قبل أيام، فالكثير من الناس لا تؤثر فيهم الكلمات، يلاحقونك كحلاق شهرزاد دون أن يتوقفوا عن ابتداع تحفهم العجيبة. فقد صُلبتُ على مدى ساعة أمام صديق أراد أن يظهر لي مشاعره الوطنية من خلال قافية النون. قال الشاعر “حَنينٌ أَنينٌ رنينٌ يَطِنْ/ فَخَمْرٌ وَراحٌ وَسُكْرٌ وَدِنْ/ فَقَلْبي بِجَنْبي يُلَبّي وَإِنْ/ يَغِيْبُ الحبيبُ القريبُ أَجِنْ/ ولَمْسي بِأمسي لرأسي كَمَنْ/ بسحرٍ وَمَسٍّ بكأسٍ عُجِنْ”.

وكان مما يزيد العجب جهل الناس بحرف النون وأسراره. فالنون هو الحوت، وهو الذي ابتلع يونس وتعلّم في بطنه الحكمة والتواضع، فصار يعرف بـ“ذو النون” بعد أن عبر مرحلة العتمة التامة في الأعماق. رسم النون يجيء على شكل دائرة تتوسطها نقطة تمثل مركز الكون، وفلكا في بطنه بذرة الحياة ونواتها، وهي المعرفة الحقة للوجود والبشر وطبائعهم، ومنها تأتي الفراسة في قراءة الوجوه، معرفة يتقنها حلاق بسيط ولا تحتاج إلى حنين يطنّ.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر