الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الإسلام السياسي والبوصلة

روى المعلّم الطنطاوي وروى عنه غسان الإمام أنه كان قد شارك في وفد رجال الدين السوريين الذين قرروا زيارة الجنرال حسني الزعيم ليطالبوه بأسلمة انقلابه.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2013/10/31، العدد: 9365، ص(24)]

كثيرا ما خمّن الإسلاميون أن فرجهم سيكون بالتحالف مع هذه الجهة أو تلك من الأطياف السياسية والقوى التي تحرّكت في منطقة الشرق الأوسط عبر مئة عام مضت، ولكن كانت حساباتهم تصطدم في النهاية بسوء التقدير وخطأ التسديد، ولا توجد حلول لهذا العقل، ويشهد التاريخ أنهم حاولوا، دون جدوى، ليتضح أن المشكلة ليست في التحالفات، ولا في المحتوى الفكري الذي يحمله الإسلاميون، فهو أولا وآخرا "فكر الإسلام"، ولكن العقل التنظيمي الذي يريد لعب السياسة على أنها "نجاسة" و شرٌ لابدّ منه، وينظر إلى الآخر على أنه عدوٌ ما من صداقته بدُّ، مما صعّب على التيار الإسلامي إلا أن يكون ضحية للواقع السياسي، بينما يرتكب هو في واقع الأمر أكبر الجرائم الفكرية، وهي تعريض الإسلام لشتى أنواع التجاذب والأخذ والردّ، ويعود بالضرر ليس على الإسلاميين وحدهم، بل على الإسلام كلّه، وقد جئت على ذكر الأستاذ الراحل علي الطنطاوي الدمشقي الأسبوع الماضي، الأمر الذي طاب لكثيرين يريدون الاستماع إلى صوت مفكر إسلامي "مشرقي" مختلف ومتحلّل من كل عُقد العمل السياسي المضطرب والمسار النضالي المضطرم، وقد رأيت أن أبقى اليوم مع الطنطاوي وهو يروي ساخرا محاولة الإسلاميين في سوريا، "أسلمة الانقلابات العسكرية" وهي من عجائب هذا الزمان، أن يفكّر علماء الأمّة بهداية العسكر إلى دولة الشورى!

فقد روى المعلّم الطنطاوي وروى عنه غسان الإمام أنه كان قد شارك في وفد رجال الدين السوريين الذين قرروا زيارة الجنرال حسني الزعيم ليطالبوه بأسلمة انقلابه ونظامه في العام 1949، وهو صاحب أول انقلاب عسكري في المنطقة العربية، وقد عرف عنه إدمان الكحول، ولعب القمار، وحب الظهور والمغامرات الاستعراضية وحمل الصولجان، وهو من قال قبل قيامه بانقلابه الشهير: "ليتني أحكم سوريا يوما واحدا ثم أُقتل بعدها"، وقد حقّق له جنوده حلمه وأعدموه رميا بالرصاص بتهمة الخيانة العظمى. يقول الطنطاوي إن أعضاء الوفد أصيبوا بالدهشة والحرج "وربما الرعب" عندما أخذ حسني الزعيم يَعُدُّهم، واحدا واحدا، "بإصبعه الوسطى!" ثم رفع سماعة الهاتف أمامهم، ليأمر مأمور سجن المزة، بإعداد سجن كبير يتسع لخمسين شخصا، وكان عدد أعضاء الوفد خمسين عالما، وقد كانت هذه طريقته في الردّ على عرضهم تحويل انقلابه إلى انقلاب إسلامي! ويتابع الطنطاوي أنهم كرّروا المحاولة مع خليفة الزعيم، العقيد أديب الشيشكلي فقد زاره العلماء المسلمون للمطالبة بـ "أسلمة" الإذاعة السورية، وقد وافق الشيشكلي الداهية على الفور، وأمر بإعداد بساط في قلب إذاعة دمشق، وطلب من المشايخ الحضور يوميا والجلوس على البساط لمراقبة البرامج والأغاني، يقول الطنطاوي إنهم حضروا جميعا في اليوم الأول، ثم خفّ حضورهم بالتدريج حتى زهدوا واختفوا تماما، فمالهم وللفنانات والمغنيات والدق والرقص!

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر