الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الخارجون عن الحب

حالة من الخواء الرومانسي والجدب العاطفي سيطرت على مختلف مجالات حياتنا وتحولت إلى صحراء تموت فيها المشاعر الجميلة والأحاسيس المرهفة.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/02/12، العدد: 10183، ص(21)]

هل عفا الزمن على المشاعر الجميلة التي كانت تجمع الناس رغم اختلافهم في الأعراق والأديان والمذاهب وتؤلف بين قلوبهم وتجعلهم يتقاسمون الزاد والأفراح والأتراح.

للأسف، السائد اليوم أن أغلب الأشخاص لا يستسيغون فكرة مساعدة شخص يعاني مشكلة مالية أو نفسية أو يتعاونون مع زميل في العمل أم يقدمون يد العون للمحتاج حتى لو كانت ظروفهم ميسرة، فسياسة فرق تسد طغت على جميع مجالات حياة الناس والمصالح الشخصية أصبحت فوق كل الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية.

لقد ولى وانتهى زمن التضحية والكرم والإيثار من أجل الآخر، وأصبح عصر حاتم الطائي مجرد شيء من الماضي.

وفي مجتمعاتنا العربية تكاد نار الطائفية الملتهبة أن تأتي على كل شيء. لقد مزقت نسيج العلاقات الاجتماعية وحولت الشعوب إلى فسيفساء متناثرة من الصعب إعادة اللحمة في ما بينها كما كانت في الماضي. وأصبحنا نعيش في عالم مليء بالتوجّس من الجار والصديق والأخ والقريب والبعيد، وقد أعلنت الحرب حتى على يوم الحب الذي لا يكفي أن السلطات وأصحاب الأفكار الظلامية يسدون المنافذ عليه، فالكثير منا أيضا ينظر للعشاق على أنهم خارجون عن الأعراف والتقاليد وينعتونهم بأبشع النعوت، وكأن ليس من حقهم أن يتبادلوا مشاعرهم مع الأشخاص الذين رسموا الحب والسعادة في حياتهم.

كل شيء تغير في حياتنا، لم تعد هناك مودة ورحمة في أغلب العلاقات الأسرية والاجتماعية، التي أصبحت قائمة على أسس هشة ومليئة بالمشاكل والضغوط والحسابات.

وعلى الرغم من أن المختصين في علم النفس يؤكدون أن الحب من ضروريات الحياة بالنسبة إلى كل شخص، وتتضح هذه الأهمية عندما ندرك أنّ الوصول إلى مرحلة حب المجتمع لا بد أن يمر عبر حب الآخر.

ومن جهة أخرى، لا يمكن بناء وتكامل القوى العقلية والفكرية للإنسان بصفة عامة إلا في ظل محيط هادئ ومليء بالحب وإلا سيصاب بالكآبة والاضطراب الفكري.

كما أن القاعدة العامة تقول إنه من أجل البقاء على قيد الحياة ينبغي مراعاة شعور الآخر وتقديم المساعدة له لا العداوة، إلا أن العقبة التي تتفاقم يوما بعد يوم في مجتمعاتنا العربية، هي غياب التسامح مع الآخر.

حالة من الخواء الرومانسي والجدب العاطفي سيطرت على مختلف مجالات حياتنا وتحولت إلى صحراء تموت فيها المشاعر الجميلة والأحاسيس المرهفة.

انتهى زمن العشق، لقد بددته الحسابات الأخرى، ليبقى الشيء الوحيد الثابت هو عتمة أفق القضاء على الصراع بين الأنا والآخر، وترسيخ مبدأ التعايش السلمي بين الطرفين. ولعل ذلك من جملة ألاعيب السياسة في بلداننا التي يديرها سياسيون ينتمون إلى أحزاب طائفية وجماعات دينية متطرفة، ومن الطبيعي أن يكون نظام العلاقات أول ما يتعرض للهدم، وبالتالي يؤدي هذا إلى انتشار الأيديولوجيات والفلسفات القائمة على رفض الآخرين وإقصائهم، ويؤدي هذا في نهاية الأمر إلى خلق مجتمعات غير متضامنة تعي جيدا الهوية الطائفية ولا تؤمن بالحقوق الإنسانية، ومنفتحة على رسائل يبعثها أولئك الذين يبشرون بحروب قوامها البقاء للأقوى.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر