الثلاثاء 20 فبراير/شباط 2018، العدد: 10906

الثلاثاء 20 فبراير/شباط 2018، العدد: 10906

هل تخلفنا مرتبط بلغتنا؟

الواقع يؤثر عميقا في اللغة ولكن اللغة تبني وتعيد خلق الواقع أيضا، وهذا ما نتعلمه من التداولية، ومن الفكر الفلسفي البراغماتي والتجريبي على نحو صارم.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2016/02/12، العدد: 10183، ص(15)]

خلال هذا الأسبوع صرح كاتب جزائري قائلا بأن اللغة العربية في خطر، وأن المنقذ من هـذا الخطـر المحدق هو الاحتماء بالعربية الـدارجة، ولكن هـذا الرجـل لـم يقـدم لنا دراسة علميـة تبيـن كيف أن العـربية الدارجة هي الضمانة، والشرط الضـروري لنفخ الحياة في اللغة العربية الفصحى.

وفي سياق التنبيه إلى دور اللغة المفصلي أذكر أن الدكتور نجيب محمود قد تحدث باستفاضة، في كتابه "تجديد الفكر العربي"، عن مركزية اللغة كشرط لأي تقدم علمي وحضاري، كما أكد على ضرورة الانتقال إلى لغة الأداء إذا أردنا أن نخرج من التخلف الذي يقيدنا، وبهذا الشأن أوضح أن فرنسا القديمة كانت متخلفة وقد لعب علماء وفلاسفة اللغة، مثل جماعة "بورت رويال" وغيرهـم، دورا محوريـا في بناء اللغة الفرنسيـة المتطـورة التي بهـا تـم في مـا بعد تشييد العقل المفكر والعلمي في فرنسا.

وفي هذا الكتاب نفسه لاحظ الدكتور زكي محمود أيضا أن طريقة تعامل الإنسان مع اللغة عندنا هي التي جعلته ولا تزال تجعله يهتم بالأشياء وليس بالعـلاقـة بينها.

نحن إذن أمام قضية كبيرة فحصها مفكر أميركي مهم، لا نعرف عنه شيئا في بلداننا، وهو يدعى بنيامين لي وورف وله كتاب جدير بالدراسة والاستيعاب وعنوانه "اللغة، الفكر والواقع". يقول بنيامين وورف بأن "الخطوات المهمة المقبلة للمعرفة الغربية هي إعادة امتحان الخلفية اللسانية لتفكيرها، ولكل تفكير بهذا الشأن". وفي مكان آخر من كتابه هذا أكد أن "كل لغة، وكل لغة ثانوية تقنية منسوجة جيدا تنشئ وتضم بعض وجهات النظر، وبعض المقاومات النمطية لوجهات نظر متباعدة بشكل واسع".

لاشك أن الواقع يؤثر عميقا في اللغة ولكن اللغة تبني وتعيد خلق الواقع أيضا، وهذا ما نتعلمه من التداولية، ومن الفكر الفلسفي البراغماتي والتجريبي على نحو صارم. ومن هنا فإن دعوة بنيامين وورف لفهم وإدراك تعقيدات العلاقة بين اللغة وبين التفكير الإنساني والواقع، وكيف تصوغ اللغة أفكارنا الأكثر عمقا، حسب رأيه، أمر جد ضروري. ففي تقديره فإن "كل الملاحظين لا تقودهم نفس الحجة الفيزيائية، إلى صورة الكون نفسها ما لم تكن خلفياتهم اللسانية مماثلة، أو يمكن أن تكون، بطريقة ما، معيّرة".

وبالفعل فإن هذا الاختلاف في اللغة المؤدي إلى تصورات مختلفة هو ما أكد عليـه مفكـر تـداولي أميـركي آخـر وهـو جـون سيرل وذلك عندما لاحظ أن اللغة هي نوع من الفعل الإنساني. ندرك إذن أن أعمالنا غير مستقلة عن نمط الأفعال الكلامية التي نستعملها في حياتنا، فمتى يدخل الفكر العربي في مهمة دراسة العلاقة بين تخلفنا وبين لساننا اللغوي من أجل صنع التغيير؟

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

أزراج عمر

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر