الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

شيطان في الجنة

العالم اليوم، في زمن ما بعد العولمة، هو الآخرون بما يملكون من آفاق واسعة. بعضها كارثي معتم، وبعضها فردوسي مشرق.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/02/12، العدد: 10183، ص(24)]

قرأتُ هنري ميللر مبكرا. وصرت أتخيّل الحياة كما يصفها في روايتيه “مدار الجدي” و”مدار السرطان” وغيرهما. وفي شارع بغداد في دمشق، الذي يخترق الأحياء متوازيا مع الديوانية العتيقة، حيث بيوت واطئة وادعة، سكنتُ أحدها في قديم الزمان. ولما استقر بي المقام، نزح إليّ لاجئ سياسي من الضواحي، غير أن تهمته لم تكن سياسية. بل كان هاربا من أهل العروس التي أراد الزواج منها.

في ليالي تواري نعيم، كنت أستمع إلى ما يرويه العريس الهارب، وكان رجلا قصيرا، قارب الخمسين. أصلع بشعيرات فوق أذنه يطيلها ويلصقها على رأسه من اليمين إلى الشمال لتبدو مثل الغرّة، غير أنه كان رومانسيا، يعلّق صورة كبيرة لفريد الأطرش على الحائط، ويكني نفسه “أبو وحيد”، نسبة إلى اسم الموسيقار العظيم في أحد الأفلام. حتى أنه تعلّم العزف على العود ليتقمص شخصيته.

لكن نعيم كان ملك الفشل في كل مشروع، فلم يفلح في التحول إلى نجم ومخرج سينمائي، لأنه اشتغل أصلا في الإذاعة، والراديو لا صورة فيه ولا كاميرا ولا من يحزنون. ما جرحه أنه كان غير مقبول من أهل العروس. فهو لم يكن مرزوقا، ولا وجه سعد. لم يُبق لهم أي باب للأمل ليوافقوا على تزويجه من ابنتهم. فقد كان أيضا سليط اللسان، ينال من هذا وذاك، دون تردد. لكنه كان طيب القلب، درويشا من عباد الله المنسيين، يهمله الناس فترة ثم يفتقدونه، ليبحثوا عنه ويجدوه ضاحك السن زائغ العينين.

بقي نعيم فترة اللجوء، مكسور الخاطر، ليس لأنه لا يرى خطيبته الأسيرة عند أهلها، بل لأنه لم يكن يستطيع الذهاب إلى حيث المشاكل. فالحياة كما يقول “ليست ممتعة بلا قيل وقال”. ومع الوقت تحول النعيم إلى جحيم. وخرجت شخصية تيريكان من رواية هنري ميللر “شيطان في الجنة”. وأصبحتُ أنا ضيفا عند نعيم. فالعقل حسب نعيم وتيريكان “يخلق لنا المنغّصات، وليس الذكاء. لأننا لا نملك من الأخير ما يكفي أبدا”. وكذلك فإن المعرفة “ثقيلة، والحكمة تحزّب. والدماغ ليس هو الفكر، هو طاغية يريد السيطرة على الفكر”.

علاوة على ذلك، فقد كان عليّ تحمل الإحساس الشديد بالذنب، كلما عاتبت نعيم على سلوك ما. فسرعان ما يبدأ بتهديدي بالكلمات ذاتها التي كان يستعملها تيريكان “حسنا. أنا راحل، راحل غدا، وهذه المرة لن آخذ حتى فرشاة أسناني، سأتدبر أمري لوحدي مهما حدث، أفضّل أن أذهب إلى الجحيم من أن أكون عبئا عليك”. لكنه لم يكن يرحل.

العالم اليوم، في زمن ما بعد العولمة، هو الآخرون بما يملكون من آفاق واسعة. بعضها كارثي معتم، وبعضها فردوسي مشرق. ولا حول لنا ولا قوة إذّاك، سوى ترديد ما قاله ميللر ذاته في شيطان في الجنة “إن الفرق بين الإنسان ـ آدم، والإنسان الراهن هو أن الأول كان قد قدّر عليه أن يكون في الجنة، بينما على الثاني أن يخلقها”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر