الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

المغرب وأسبانيا.. جدل الأمن والثقافة

الصور النمطية المسبقة تؤثر على التعاون الفعال بين المسلمين والغرب في التصدي للإرهاب.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/02/13، العدد: 10184، ص(6)]

رغم القرب الجغرافي بين المغرب وأسبانيا، فإن البلدين يتصرفان وكأن بينهما شريطا من الحواجز التي تمنعهما من التفاهم بشكل أكبر، فبين البلدين مسافة بحرية قصيرة لا تتجاوز الـ14 كيلومترا، ولكن وجودهما في قارتين مختلفتين يبدو وكأنه يحول دون التقارب بينهما.

يشهد الواقع التاريخي على أن علاقات المغرب وأسبانيا ظلت دائما في حالة شد وجذب وصراع ومناكفة، منذ أن كان المغرب إمبراطورية عظمى في أفريقيا يحسب لها الأوروبيون ألف حساب، وكانت أسبانيا ممالك صغيرة وضعيفة، قبل أن تصبح دولة كبرى في أقصى الجنوب الأوروبي بعد أن توحدت الممالك الكاثوليكية في نهاية القرن الخامس عشر مع سقوط غرناطة. وبعد أن ظهرت القوميات الحديثة في أوروبا وتراجع المغرب إلى موقعه الحالي عقب الحركات الاستعمارية الأوروبية، ظلت الخلافات القديمة قائمة بين البلدين، وعلى رأسها احتلال مدينتي سبتة ومليلية، ثم أضيفت إليها المشكلات الجديدة التي نشأت مع نشأة الدولة الحديثة، كالحدود البحرية وقضية الصيد البحري وأزمة الصحراء.

وفيما يحاول البلدان التحايل على المشكلات التقليدية، عبر “دبلوماسية السكوت” أو النزعة الواقعية التي تغلّب جلب المصالح على إثارة الأزمات، فإن القضايا الأخرى ما تفتأ تطل برأسها في كل مناسبة. وقد نجح البلدان في السنوات الماضية في إنشاء لجنة عليا مشتركة لمعالجة هذه الأزمات بشكل عقلاني وتدريجي، وهي منهجية تم اللجوء إليها بالنظر إلى أهمية الجوار بين البلدين، وحاجة كل منهما إلى الآخر، في ضوء التحديات المشتركة التي باتت تشكل عامل ضغط في اتجاه تعزيز التعاون والشراكة، خاصة في ما يتعلق بموضوع الإرهاب العابر للقارات والجريمة والهجرة غير الشرعية بين الضفتين.

وأدى بروز الجماعات الجهادية، خلال الثمانينات والتسعينات إلى ظهور أول تعاون مشترك بين البلدين في مواجهة الإرهاب. ففي أغسطس من العام 1994 حصلت أحداث فندق أطلس أسني بمراكش، التي قتل فيها سائحان أسبانيان وجرح فيها أسباني ثالث، وكانت تلك الأحداث أول عمل إرهابي ذي طابع دولي فوق التراب المغربي، نفذه أشخاص أجانب، في مناخ تميز بالتوتر الحاد في المنطقة نتيجة المواجهات التي كانت حاصلة بين النظام الجزائري والإسلاميين المسلحين.

لكن التعاون بين البلدين في هذا المجال انطلق فعليا بعد ذلك الحادث، من خلال حالتين، الأولى هي تفكيك خلية تابعة لتنظيم القاعدة في نوفمبر 2001، كانت قد تشكلت قبل ذلك بست سنوات (2005) من طرف سوريين، وكان زعيمها قد نجح في استقطاب بعض المغاربة في أسبانيا.

والحالـة الثـانية هي أحداث 16 مايو 2003 في الدار البيضاء التي كان من بين أهدافها فضاء “دار أسبانيا” بمدينة الدار البيضاء التي قتل فيها ثلاثة مواطنين أسبان، ومنذ ذلك الحادث حصل تقدم في تبادل المعلومات المتعلقة بالإرهاب بين البلدين.

وقد قطع البلدان في السنوات اللاحقة شوطا بعيدا في تقوية سبل التعاون المشترك بينهما في مكافحة التحديات الإرهابية، ففي العام 2005 تم تشكيل تحالف ثلاثي جمعهما إلى جانب فرنسا، على هامش مؤتمر برشلونة الأوروـ متوسطي، غرضه الرئيسي محاربة الهجرة السرية بين ضفتي البحر المتوسط، ومحاربة ظاهرة الإرهاب. بيد أن التعاون بين البلدين في محاربة هذه الظاهرة شهد قفزة نوعية قبل ذلك بسنة، مباشرة بعد تفجيرات محطة القطارات في مدريد في مارس من العام 2004، حيث بادر المغرب إلى التنسيق الأمني مع أسبانيا لملاحقة منفذي التفجيرات، الذين كان بعضهم ينحدر من أصول مغربية مهاجرة في أسبانيا. ومنذ تلك الفترة بات المغرب حليفا قويا لهذا البلد الأوروبي بشكل لا يمكن تجاوزه، وتعزز هذا التحالف خلال وبعد تطورات الربيع العربي، الذي أظهر أن المغرب بلد مستقر ويمكن أن يعد حليفا يعول عليه. ويكفي، لتوضيح متانة التعاون بين البلدين، التذكير بأن السلطات الأمنية التابعة لهما قامت خلال 2013 ـ 2014 بست عمليات مشتركة لمحاربة الإرهاب، أدت إلى اعتقال أربعين شخصا في البلدين معا.

وبحسب “المركز الملكي أسبانيا ـ إلكانو”، في تقريره الجديد الصادر قبل أيام، فإن التعاون بين المغرب وأسبانيا يظل أساسيا في ما يتعلق بالتحديات الأمنية والتهديدات المرتبطة بالإرهاب العالمي، ليس فقط لأن الظاهرة الإرهابية تلقي على البلدين أعباء مشتركة وتضعهما في مواجهة نفس المخاطر، بل أيضا لأن أكبر جالية مسلمة من الأجانب في أسبانيا هي الجالية المغربية. وإلى جانب هذا، فإن غالبية الإرهابيين الذين قتلوا أو اعتقلوا في أسبانيا، بين 1996 و2012، هم مغاربة، إذ أن 27.4 بالمئة لديهم الجنسية المغربية (وهي نسبة سترتفع إلى 40.7 بالمئة بعد 2003)، و28.8 بالمئة ولدوا بالمغرب (وهي نسبة سترتفع بعد 2004 إلى 42.6 بالمئة). بيد أن التقرير، الذي يبدي تفاؤلا أكبر في ما يخص التعاون الثنائي بين البلدين في محاربة الإرهاب، يرسم صورة متشائمة حول الصور المتبادلة بين البلدين، وتأثيرها على العلاقات الدبلوماسية والثقافية بينهما.

وفي الواقع تعد هذه القضية مظهرا من مظاهر عدم التكافؤ بين أوروبا والعالم الإسلامي بشكل عام، وهي ليست مقتصرة على المغرب وأسبانيا فقط. فرغم مضي قرون على الحروب الصليبية بين الغرب والإسلام، وعلى سقوط غرناطة وما أثاره من حروب لاحقة بين المغرب وأسبانيا، لا تزال نفس الصور النمطية تشكل الرأي العام الأوروبي تجاه المسلمين، وتفرض عليه زاوية النظر إلى هذه الكتلة البشرية الكبيرة، التي تدفع ثمن التحدي الإرهابي على الصعيد الداخلي من جانب، وكلفة تلك الصور النمطية على صعيد العلاقة مع الغرب وأوروبا من جانب ثان. ومن السهل القول إن فعالية تلك الصور النمطية المسبقة هي التي تؤثر على التعاون الفعال بين المسلمين والغرب في التصدي للإرهاب لأنها تتسم بطابع التعميم، بحيث يصبح المسلمون جميعهم متهمين، بوصفهم كتلة واحدة دون تمييز، ودون أخذ التطورات والانعطافات الكبرى التي حصلت في العالم العربي والإسلامي منذ حوالي قرن، أي منذ تفكك الإمبراطورية العثمانية وظهور الدول الوطنية في هذه المنطقة.

ونتيجة لهذه المعطيات، تظهر لنا أهمية إدخال العنصر الثقافي والمعرفي إلى جانب العنصر المرتبط بالتعاون لمواجهة الإرهاب في هذه الجهة من العالم، فكما أن الجانب الأمني بمفرده غير كاف لاستئصال شأفة الإرهاب، كذلك لا يمكن للتعاون الأمني بمفرده أن يؤتي ثماره من دون تفعيل آلية الدبلوماسية الثقافية والإعلامية، لمقاربة القضايا الواقعية التي يعيشها العالم العربي والإسلامي بشكل موضوعي، والتعرف عن كثب على التحولات التي تموج في جسم المجتمع، بعيدا عن الكليشيهات التي تزيد من تعزيز الصور التقليدية السلبية والتي يجعل بقاؤها واستمرارها من أي تعاون ضد الإرهاب بين الغرب والإسلام مجرد عملية براغماتية تصب في رصيد العالم الغربي، فيما يظل العالم الإسلامي يدفع كلفة مزدوجة، الأولى للتطرف في الداخل والثانية للغرب في الخارج.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر